في لحظاتٍ غير متوقَّعة قد يجد الإنسان نفسه غارقًا في شعورٍ مفاجئ بالغمّ والحزن من دون سببٍ واضح أو حدثٍ آنيّ مباشر وهي حالة نفسية عابرة لكنها ثقيلة تتسلّل بهدوء إلى القلب والعقل وتظهر كثيرًا عند نهاية عام وبداية آخر أو عند لحظة سكونٍ داخلي تُفتح فيها دفاتر الذاكرة دفعةً واحدة فتخرج همومٌ مؤجَّلة ومشاغل قديمة ظننا أننا نسيناها لكنها في الحقيقة كانت تنتظر لحظة ضعفٍ أو تأمّل لتعلن حضورها
هذه الحالة لا تعني بالضرورة اكتئابًا مرضيًا بل حالة من الحزن الوقتي وقد تكون في الغالب نتاج تراكُم نفسي طويل فالعقل البشري يمتلك قدرة كبيرة على التأجيل والكبت فيضع الأحزان جانبًا ليتمكّن الإنسان من الاستمرار في حياته اليومية لكن التخزين الموجود لا يختفي بل يبقى كامناً في طبقات الوعي وعندما تهدأ الضوضاء الخارجية أو عندما يقف الإنسان عند مفترق زمني رمزي كآخر السنة يبدأ العقل في الجرد والمحاسبة فيقارن بين ما كان يأمله وما تحقق وبين ما فاته وما تبقّى فتنبثق مشاعر الغم فجأة أحيانًا من دون مقدمات واضحة
يلعب الإرهاق النفسي دورًا أساسيًا في هذه الحالة حيث ان ضغوط العمل المسؤوليات العائلية القلق المادي وتراكم التوقّعات غير المحققة كلها عوامل تُنهك الجهاز العصبي وعندما تتزامن هذه الضغوط مع لحظة تفكير عميق أو عزلة قصيرة يصبح العقل أقل قدرة على الفلترة فتظهر الأفكار الثقيلة دفعة واحدة ... كما أن تغيّر الفصول وقِصر النهار في بعض الأوقات من السنة يؤثران بيولوجيًا على كيمياء الدماغ لا سيما على هرمونات المزاج ما يجعل الإنسان أكثر قابلية للشعور بالحزن والضيق
السؤال الأهم ليس لماذا تحدث هذه الحالة فقط بل كيف يمكن التعامل معها وتجييرها بطريقة إيجابية وهنا تبدأ الخطوة الأولى الا وهي الاعتراف بها وعدم إنكارها أو جلد الذات بسببها فالشعور بالحزن العابر ليس ضعفًا بل إشارة من النفس بأنها بحاجة إلى إصغاء وان مقاومة الشعور أو الهروب منه غالبًا يزيده حدّة بينما تقبّله بهدوء يخفف من ثقله
من المفيد النظر إلى هذه الحالة كرسالة لا كعقوبة وذلك باعتبارها كدعوة لإعادة ترتيب الأولويات أو للتخفيف من أحمال لم نعد قادرين على حملها وبدل السؤال “لماذا أنا حزين؟” يمكن تحويل السؤال إلى ما الذي تحاول نفسي أن تقوله لي الآن وهذا التحوّل البسيط يفتح بابًا للفهم بدل الغرق في الإحباط ... لذلك يجب علينا ان نعي ان التفريغ الصحي للمشاعر يُعد من أنجح وسائل التعامل مع هذه الحالة
مثلا الكتابة حتى لو كانت عشوائية تساعد على إخراج الأفكار من دائرة الدوران الداخلي إلى مساحة أوسع وأكثر أمانًا كذلك الحديث مع شخص موثوق قد يفيد ...أو حتى البكاء الصامت قد يخفف الضغط الداخلي ويعيد التوازن تدريجيًا كذلك فإن الحركة الجسدية الخفيفة كالمشي أو التمدد تسهم في تهدئة الجهاز العصبي وتحسين المزاج
من النصائح المهمة أيضًا تجنّب تضخيم اللحظة حيث ان ما يشعر به الإنسان الآن لا يختصر حياته كلها ولا يحدّد قيمته أو مستقبله هي موجة عاطفية مهما بدت قوية ستنحسر مع الوقت إذا لم نغذّها بالأفكار القاسية أو المقارنات المؤلمة لذلك يجب تقسيم الهموم إلى أجزاء صغيرة والتركيز على ما يمكن تغييره الآن بدل اجترار ما فات وهذا ما يمنح العقل إحساسًا بالسيطرة ويخفف الشعور بالعجز
يمكن كذلك تحويل هذه اللحظات إلى فرصة للتجديد حيث ان نهاية عام أو بداية آخر ليست محكمة حساب نهائية بل محطة تأمل فبدل إدانة الذات على ما لم يتحقق يمكن الاحتفاء بما تم انجازه وبما تعلّمناه من الخسارات نفسها وأحيانًا يكون الحزن علامة على نضج داخلي وعلى وعي أعمق بالذات والحياة
أما إذا استمرت هذه الحالة لفترة طويلة أو بدأت تؤثر بشكل واضح على النوم والشهية والعمل والقدرة على أداء المهام اليومية فهنا يصبح طلب المساعدة المتخصصة خطوة حكيمة لا تُنتقص من قيمة الإنسان بل تؤكد احترامه لصحته النفسية
في النهاية الغمّ والحزن المفاجئ الذي يطرق أبوابنا بين حين وآخر ليس عدوًا بالضرورة بل يمكن اعتباره رفيق طريق عابر يذكّرنا بأننا بشر نحمل في داخلنا ذاكرة ومشاعر وحاجة دائمة للتوازن وان التعامل معها بلطف وفهم ووعي يحوّلها من عبء ثقيل إلى فرصة صادقة للمصالحة مع الذات وبداية أخفّ وأكثر اتزانًا ... وفي نهاية هذا العام، ورغم ما أثقلتنا أيامه من محنٍ ومآسٍ وتعبٍ طويل يبقى علينا أن نحاول أن نُخفّف من وطأة الآلام التي عبرت بنا لا إنكارًا لها بل رحمةً بأنفسنا ...وان نستقبل عامًا جديدًا بروحٍ أكثر إيجابية وبأملٍ متواضع... بل بتمني فقط أن يكون القادم أرحم وأخفّ وطأة وأن يحمل في طيّاته ما هو أفضل من عامٍ مضى مثقلاً بالذكريات القاسية وسوء الذكر... وكل عام وانتم احسن ...د كمال توبة
