يُعدّ اسم قراقوش واحدًا من أكثر الأسماء إثارةً للجدل في التراث الشعبي العربي إذ أصبح يُستخدم للتعبير عن الحكم العبثي أو القرارات الجائرة التي لا منطق لها وتحوّل اصطلاح “حكم قراقوش” بمرور الزمن إلى مرادف للظلم العجيب أو للقوانين المجنونة التي تُصدر دون تفكير ولكن خلف هذه الصورة الساخرة شخصية تاريخية حقيقية كان لها دور مهم في بناء الدولة الأيوبية وكان الظلم الحقيقي الواقع عليه أنه وُصف بما لم يكن فيه فمن هو قراقوش؟ وما حقيقة أحكامه؟
تشير المصادر التاريخية إلى أن قراقوش شخصية واقعية اسمه بهاء الدين قراقوش، كان غلامًا مملوكيًا قيل إنه من أصل تركي دخل في خدمة صلاح الدين الأيوبي وتدرّج في المناصب العسكرية حتى أصبح من رجالاته المقربين. لعب قراقوش دورًا بارزًا في بلاد الشام قبل أن ينتقل مع صلاح الدين إلى مصر وكان أحد الأعمدة الثلاثة التي اعتمد عليها السلطان في تثبيت أركان حكمه إلى جانب القاضي الفاضل والفقيه عيسى الهكاري. كانت تلك المرحلة مليئة بالقلاقل والصراعات الداخلية خاصة بعد وفاة الخليفة الفاطمي العاضد وبدء تحول مصر إلى الحكم الأيوبي وهنا كان لقراقوش دور كبير في تنظيم الجيش وإعادة الأمن، وترتيب شؤون الدولة
ورغم أنه كان إداريًا حازمًا قوي الشخصية وصاحب نفوذ فإن سيرته تعرضت لتشويه متعمّد بعد وفاته إذ وُضعت عليه مجموعة من النوادر الساخرة المنسوبة إليه معظمها من تأليف خصومه. ويُرجَع هذا التشويه إلى الكاتب المصري ابن ممّاتي الذي ألف كتابًا ساخرًا بعنوان “الفاشوش في أحكام قراقوش” وهو كتاب مليء بالطرائف المبالغ فيها التي تهدف إلى إظهاره كحاكم ساذج ظالم يصدر أحكامًا غريبة وغير عقلانية. ومع أن الكتاب ليس مصدرًا تاريخيًا موثوقًا، فقد انتشر انتشارًا واسعًا بين العامة وانتقلت قصصه اللامنطقية من جيل إلى جيل حتى أصبحت جزءًا من الثقافة الشعبية وبهذا ترسخت الصورة الساخرة لقراقوش بينما طُمست الصورة الحقيقية للرجل الإداري الحازم الذي كان أحد رجالات الدولة الأقوياء
ومن النوادر التي تُروى في حكم قراقوش حكاية البنّاء الذي كان يعمل على بناء قنطرة فمرت أمامه فتاة ترتدي ثوبًا لافتًا فاختل توازنه وسقط من أعلى البناء ومات. وعندما رفعت زوجته شكوى أمام قراقوش طالبت بأن تُشنق الفتاة عقابًا لها فدعاها، فاحتجت بأن الذنب ذنب الخياط الذي فصل لها الفستان الضيق وجيء بالخياط فاتهم التاجر الذي باعه القماش الشفاف ثم انتهى الحكم الساخر بأن يُشنق أول رجل قصير يمر مكان القنطرة بحجة أن طول التاجر لا يناسب طول المشنقة! هذه القصة وغيرها من القصص المشابهة لا تهدف إلى تسجيل وقائع حدثت بل إلى صناعة صورة كاريكاتورية لحاكم لا عقل له ولا ميزان وهي مبنية على المبالغة والفكاهة وإعلاء العبث على حساب الحقيقة
وتُروى أيضًا قصة الفلاح الذي جاء يشكو جنديًا ركله زوجته وهي حامل في الشهر السابع فأجهضها فحكم قراقوش – وفق الروايات الساخرة – بأن يأخذ الجندي الزوجة إلى بيته لينفق عليها سبعة أشهر ثم يعيدها حاملًا في الشهر السابع كما كانت، وهو حكم لا منطقي ولا يمكن تطبيقه ويهدف إلى السخرية من عقل الحاكم لا إلى وصف واقعة تاريخية
لكن الباحثين يشيرون اليوم إلى أن هذه القصص لا تمتّ بصلة إلى سيرة قراقوش الحقيقية فقد كان الرجل إداريًا بارعًا وله إنجازات في البناء والحصون وكان مسؤولًا عن تنظيم شؤون القاهرة والقلعة وأسهم في بناء سور مصر والصروح الدفاعية التي لا تزال آثارها قائمة. وتشير الوثائق إلى أنه كان حازمًا وقويًا في فرض القانون وهذا ربما هو السبب الذي جعل خصومه ينسجون حوله هذه القصص ليُضعفوا هيبته ويشوّهوا صورته
من المهم أن ندرك أن الشخصيات التاريخية غالبًا ما تتعرض للتشويه بمرور الزمن، خاصة حين تمتزج السياسة بالأدب الشعبي. لقد كان قراقوش رجل دولة لكنه أصبح في الوعي العام “رجل أحكام خرافية” والحقيقة بين الاثنين تختلف كثيرًا لكن الأسطورة بقيت أقوى من التاريخ وهكذا أصبح اسم قراقوش رمزًا للحكم الجائر بينما تظل سيرته الحقيقة مطموسة خلف طبقات من السخرية والأساطير المبالغ فيها – بواسطة عبير محمد
