من تدخل فيما لا يعنيه… لقي ما لا يرضيه                   

يُحكى — والله أعلم بعباده — أن فلاحًا بسيطًا كان يملك ثورين للعمل وحمارًا مسكينًا لا ذنب له إلا أنه رفيق الدرب وحامل الأثقال
وفي إحدى الليالي وبينما كان القمر يلمّع ظهور الحيوانات في الحظيرة قرر الحمار — على غير عادته — أن يتفلسف قليلًا

اقترب من أحد الثورين وقال له بنبرةٍ شفقةٍ مصطنعة
«كيف صحتك يا جار العلف؟ تبدو مرهقًا!»

تنهد الثور تنهيدة من يحمل العالم على قرنيه وقال
 وكيف لا أتعب؟ الفلاح يفلح عليّ منذ الفجر حتى غروب الشمس… صرتُ أعرف شكل التراب أكثر مما أعرف شكلي

وهنا ولأول مرة في حياته شعر الحمار أنه قادر على لعب دور المستشار الخبير
اقترب وأسرّ للثور بنصيحةٍ يظنها عبقرية
 اسمع… اترك علفك الليلة كما هو ودع صاحبنا يظن أنك مريض فيعفيك من العمل غدًا إنها حيلة مضمونة

أُعجب الثور بالفكرة — فالمجانين يعجبون بأفكار بعضهم — وطبق النصيحة بحذافيرها

 

في الصباح دخل الفلاح الحظيرة رأى العلف كما تركه
فصفّر وقال
«يا ساتر! الثور مريض!»
يجب ان اتركه يرتاح
ثم أمسك بالحمار وربطه إلى المحراث قائلًا
 وأنت… اجتهد عن صاحبك اليوم

وهكذا قضى الحمار نهارًا كاملًا وهو يجرّ الأرض جراً ويلعن الساعة التي قرر فيها فتح فمه

وعند المساء كان الحمار متهالكًا من التعب ويجرّ روحه جراً بينما الثور يمرح وينفخ صدره شكرًا وامتنانًا
 نصيحتك كانت ذهبية! هل من نصائح أخرى يا حكيم الحظيرة؟

رفع الحمار رأسه بصعوبة ومسح العرق عن جبينه الطويل وقال
 نصيحة أخيرة يا صديقي… أقولها لنفسي قبل أن أقولها لغيري

من تدخل فيما لا يعنيه…لقي ما لا يرضيه و نطحته النصيحة قبل أن ينتفع بها غيره

ثم أضاف وهو يهزّ رأسه بحسرة
 ولولا حماريّتي لما فتحت فمي أصلًا

وهكذا جرى المثل وظلّ الناس يردّدونه ويُزيّنونه بالحكمة

من تدخل في ما لا يغنيه… لقي ما لا يرضيه