نصائح للصائمين
د. ليلى فرحات
يأتي شهر رمضان كل عام كفرصة روحية عظيمة لكنه في الوقت نفسه محطة صحية مهمّة يمكن للصائم أن يحوّلها إلى نقطة انطلاق نحو نمط حياة أفضل أو أن يفرّط بها فيتحوّل الصيام إلى عبء على الجسد بدل أن يكون راحة له فالصيام ليس الامتناع عن الطعام فحسب بل هو تنظيم للعادات وتوازن بين حاجات الروح والجسد وهو ما يجعل الوعي الغذائي في هذا الشهر أمرًا بالغ الأهمية
يبدأ التحدّي الصحي الحقيقي عند الإفطار
فبعد ساعات طويلة من الصيام يكون الجسم في حالة استعداد لامتصاص كل ما يدخل إليه بسرعة لذلك يُنصح دائمًا بأن يبدأ الإفطار بتدرّج لا باندفاع وذلك بتناول التمر مع الماء وهو ليس عادة دينية فحسب بل خيار صحي ذكي فالتمر يمدّ الجسم بسكريات طبيعية سريعة الامتصاص والماء يعيد الترطيب دون إرهاق المعدة بعدها يُفضّل التوقّف دقائق قصيرة قبل الانتقال إلى الوجبة الرئيسية لإعطاء الجهاز الهضمي فرصة للاستعداد للوجبة التامة ويجب الاخذ بعين الاعتبار ان
الوجبة الرئيسية يجب أن تقوم على التوازن لا الامتلاء وان
الإكثار من المقليات الدهون الثقيلة والسكريات المركّزة قد يمنح شعورًا بالشبع المؤقّت لكنه يسبّب خمولًا حرقة معدة، وزيادة في الوزن على المدى القصير لذلك الأفضل هو التركيز على البروتينات المعتدلة مثل الدجاج، السمك، أو البقوليات، إلى جانب الخضار، وقليل من النشويات المعقّدة كالأرز الأسمر أو البرغل و بهذه الطريقة يحصل الجسم على الطاقة دون إرهاق الكبد والمعدة
أما وجبة السحور فهي حجر الأساس لصيام مريح. تجاهل السحور أو الاكتفاء بمشروبات فقط خطأ شائع يؤدي إلى هبوط الطاقة، الصداع، والعصبية خلال النهار لذلك ان السحور الصحي هو الذي يجمع بين البروتين والألياف وكمية كافية من السوائل مثلا البيض، اللبن، الشوفان، الخبز الأسمر، والخضار، خيارات ممتازة تساعد على الإحساس بالشبع لفترة أطول وتحافظ على استقرار السكر في الدم
شرب الماء خلال ساعات الإفطار لا يقلّ أهمية عن الطعام. كثيرون يقعون في خطأ شرب كميات كبيرة دفعة واحدة، بينما الأفضل توزيع شرب الماء من الإفطار حتى السحور. الجفاف من أكثر أسباب التعب والإمساك والصداع في رمضان ويمكن تفاديه بسهولة عبر الانتباه إلى السوائل وتقليل المشروبات الغنية بالكافيين التي تزيد فقدان الماء
بالنسبة للمرضى الذين قد يقرّرون الصيام، فإن القاعدة الذهبية هي عدم المجازفة وخاصة مرضى السكري
الضغط، القلب وأمراض الكلى قد يحتاجون إلى استشارة طبية مسبقة في كثير من الحالات يمكن الصيام بأمان مع تعديل مواعيد الدواء ونوعية الطعام لكن في حالات أخرى يكون الإفطار رحمة لا تقصيرًا الصيام عبادة والعبادة لا تقوم على إيذاء النفس. من يصوم وهو مريض دون تقدير قد يعرّض نفسه لمضاعفات أخطر من تحمّلها
أما المدخنون، فإن شهر رمضان يشكّل فرصة نادرة لا تتكرّر كثيرًا. فالصائم يمتنع أصلًا عن التدخين لساعات طويلة وهذا بحدّ ذاته كسرٌ لسلسلة الاعتماد الجسدي على النيكوتين. الخطأ الشائع هو تعويض ساعات الحرمان بالتدخين المفرط بعد الإفطار لذلك ان النصيحة الصادقة هي: اجعل رمضان بداية لا استراحة مؤقتة وحاول تأخير أول سيجارة بعد الإفطار مع تقليل العدد تدريجيًا وربط الامتناع بقيمة روحية وصحية، قد يجعل الإقلاع النهائي أقرب مما يظنّ المدخن نفسه. الجسد في رمضان يكون أكثر استعدادًا للتخلّص من السموم فلماذا لا يُستغل ذلك؟
رمضان أيضًا وقت مناسب لإعادة النظر في العلاقة مع الطعام عمومًا
فالأكل أمام الشاشات و الإسراف في الحلويات اليومية، والسهر الطويل مع قلة النوم، كلّها عادات تُفرغ الصيام من معناه الصحي. الاعتدال في الحلويات، اختيار الفاكهة بدل السكريات المركّزة والنوم الكافي كلها عوامل تُحدث فرقًا كبيرًا في الشعور العام والنشاط الذهني
الصيام ليس معركة مع الجوع بل مصالحة مع الجسد
حين نحسن اختيار ما نأكل ومتى نأكل وكم نأكل يتحوّل رمضان إلى شهر شفاء حقيقي لا مجرد تغيير في مواعيد الطعام وهو تدريب سنوي على الانضباط وعلى أن الصحة ليست حرمانًا بل وعيًا
لكل صائم وان رمضان فرصة ليخرج منه أخفّ جسدًا وأصفى ذهنًا وأقوى إرادة
