لطالما ارتبط الملح في الوعي الصحي العام بصورة العدوّ الصامت وجرى الترويج لفكرة أن تقليل استهلاكه إلى أدنى حد ممكن هو الطريق الأكثر أمانًا للوقاية من ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب غير أن الأبحاث العلمية الحديثة باتت ترسم صورة أكثر تعقيدًا وتوازنًا مفادها أن الإفراط في تقليل تناول الملح قد يكون ضارًا بالصحة تمامًا كما الإفراط في تناوله، بل وقد يشكل خطرًا حقيقيًا حتى لدى المصابين بارتفاع ضغط الدم

تشير نتائج دراسات وبائية واسعة النطاق إلى أن العلاقة بين استهلاك الملح وصحة القلب ليست خطية بل تأخذ شكل منحنى بياني حيث ترتفع المخاطر الصحية عند المستويات المنخفضة جدًا من الصوديوم كما ترتفع أيضًا عند المستويات العالية. ففي دراسة دولية كبرى قادها فريق بحثي من جامعة ماك ماستر الكندية بإشراف اختصاصي الإحصاء الحيوي وعلم الأوبئة أندرو مينت جرى تحليل بيانات أكثر من 133 ألف شخص من 49 دولة وتبيّن أن الأفراد الذين تناولوا كميات منخفضة جدًا من الملح كانوا أكثر عرضة للإصابة بالسكتات الدماغية والنوبات القلبية وارتفعت لديهم معدلات الوفيات مقارنةً بمن التزموا بمستويات معتدلة من الاستهلاك اليومي

المثير للاهتمام أن هذه النتائج شملت أيضًا مرضى ارتفاع ضغط الدم إذ لوحظ أن التقليل الشديد من الملح لم يؤدِّ بالضرورة إلى تحسين النتائج الصحية لديهم بل ارتبط أحيانًا بزيادة المخاطر وهو ما يتعارض مع التوصيات التقليدية التي دعت لسنوات طويلة إلى خفض الصوديوم إلى أقصى حد ممكن دون تمييز بين الأفراد

وفي السياق نفسه كشفت دراسة طويلة الأمد أُجريت في جامعة غلاسكو البريطانية واستمرت نحو 13 عامًا وشملت أكثر من 13 ألف شخص أن انخفاض مستوى الكلوريد في الدم – وهو أحد المكونين الأساسيين لملح الطعام إلى جانب الصوديوم – ارتبط بارتفاع معدلات الوفاة لا سيما لدى مرضى أمراض القلب والدورة الدموية وارتفاع ضغط الدم. وتشير هذه النتائج إلى أن الكلوريد ليس عنصرًا ثانويًا مهملًا  بل يلعب دورًا فسيولوجيًا مهمًا في توازن السوائل ووظائف الأوعية الدموية

لفهم هذه العلاقة بشكل أدق لا بد من التوقف عند الدور الحيوي الذي يلعبه الملح في الجسم فالقلب يضخ الدم باستمرار عبر شبكة الأوعية الدموية وينشأ ضغط الدم نتيجة هذا الضخ والضغط على جدران الشرايين و الصوديوم والكلوريد يشاركان في تنظيم حجم الدم وتوازن السوائل داخل وخارج الخلايا والحفاظ على الضغط الأسموزي الضروري لوظائف الأنسجة. كما أن الصوديوم عنصر أساسي في نقل النبضات العصبية وانقباض العضلات بما في ذلك عضلة القلب في حين يساهم الكلوريد في تنظيم الحموضة ووظائف الكلى والجهاز الهضمي

ويؤكد خبراء التغذية الطبية أن النقص الشديد في الملح قد يؤدي إلى اضطرابات خطيرة مثل انخفاض ضغط الدم، والدوخة، والإجهاد المزمن، واضطراب ضربات القلب، وتشنجات عضلية بل وقد يصل في الحالات الشديدة إلى الجفاف واضطراب الوعي وخاصة لدى كبار السن أو من يتناولون مدرات البول أو الرياضيين الذين يفقدون كميات كبيرة من الأملاح عبر التعرّق

من هنا يدعو الباحثون إلى اعتماد مبدأ الاعتدال بدل التطرف فبحسب أندرو مينت يحتاج جسم الإنسان في المتوسط إلى كمية يومية من الملح تتراوح بين نحو 7.5 و15 غرامًا مع الأخذ بعين الاعتبار الفروق الفردية والنشاط البدني والمناخ والحالة الصحية العامة ولا يعني ذلك تشجيع الإكثار من الملح بل التحذير من الانسياق خلف أنظمة غذائية صارمة للغاية قد تحرم الجسم من عناصر أساسية لوظائفه الحيوية

ويضيف شتيفان بيشوف أستاذ الطب الغذائي في جامعة هوهنهايم الألمانية أن الملح يلعب دورًا محوريًا في امتصاص العناصر الغذائية من الأمعاء إلى الخلايا وفي إخراج الفضلات منها كما يساهم في الحفاظ على كثافة العظام وتنظيم توازن السوائل داخل الجسم ويشير إلى أن الاعتدال في تناول الملح مع التركيز على مصادره الطبيعية في الغذاء هو الخيار الأكثر أمانًا للصحة على المدى الطويل

الخلاصة التي تجمع عليها الأبحاث الحديثة هي أن الملح ليس عدوًا مطلقًا ولا صديقًا بلا شروط بل عنصر حيوي يجب التعامل معه بوعي وتوازن فالإفراط في تقليله قد يحمل مخاطر خفية لا تقل خطورة عن الإفراط في استهلاكه وخير الأمور – كما أثبت العلم هذه المرة – أوسطها – بواسطة عبير محمد