عشبة القراص
تُعدّ عشبة القراص المعروفة أيضًا باسم الحريقة أو القريص من أكثر النباتات البرية التي أُسيء فهمها عبر التاريخ إذ ارتبط اسمها بالألم والحرقة بسبب أشواكها الدقيقة في حين تخفي هذه النبتة في تركيبتها البيوكيميائية ثروة علاجية وغذائية لافتة جعلتها موضع اهتمام متزايد في الطب التكميلي والبحوث الحديثة فمجرد لمس أوراقها الطازجة قد يسبب إحساسًا لاذعًا في الجلد نتيجة الشعيرات المجهرية التي تحقن مواد مهيِّجة مثل الهيستامين وحمض الفورميك غير أن هذه الخاصية تزول تمامًا عند تجفيف النبات أو طهيه لتتحول العشبة من مصدر إزعاج إلى عنصر علاجي وغذائي عالي القيمة
تنمو عشبة القراص في التربة الخصبة الرطبة وتنتشر في مناطق واسعة من أوروبا وآسيا والمشرق العربي وسيناء وتُعد من أوائل النباتات التي تعلن قدوم الربيع وعلى الرغم من تصنيفها في بعض الدول كعشبة ضارة فإن الاتجاه العلمي الحديث ينظر إليها كنبات وظيفي يجمع بين التغذية والعلاج وهو ما يفسر عودتها بقوة إلى المطابخ الصحية والصيدلة العشبية
من الناحية الغذائية تتميز أوراق القراص بتركيز مرتفع من المعادن الأساسية مثل الحديد والكالسيوم والمغنيسيوم والبوتاسيوم إضافة إلى البروتينات النباتية والفيتامينات، خاصة فيتامين ب ومجموعة فيتامينات ك و س
هذا المزيج يجعلها داعمًا مهمًا لتكوين الدم وصحة العظام ووظائف العضلات والجهاز العصبي، كما يفسر استخدامها التقليدي في حالات فقر الدم والإرهاق المزمن
أما من الناحية العلاجية فقد أظهرت دراسات متعددة أن للقراص خصائص قوية مضادة للالتهاب ما يجعلها مفيدة في حالات التهابات الأمعاء المزمنة مثل داء كرون والتهاب القولون التقرحي حيث تسهم مركباتها الفينولية والفلافونويدات في تهدئة الاستجابة الالتهابية وتحسين سلامة الغشاء المخاطي للأمعاء كما تُستخدم منذ زمن طويل في تخفيف آلام الروماتيزم والتهاب المفاصل سواء على شكل شاي أو مستخلصات أو تطبيقات موضعية لما لها من قدرة على تقليل الوسائط الالتهابية وتحسين حركة المفاصل
تلعب عشبة القراص دورًا مهمًا في دعم صحة الجهاز البولي إذ يُعرف شاي أوراقها بقدرته على زيادة إدرار البول بلطف ما يساعد في تنظيف المسالك البولية والتخفيف من التهابات المثانة وتقليل تشكّل الحصى دون إحداث اختلال خطير في توازن الأملاح عند الاستخدام المعتدل. كما أظهرت مستخلصات جذور القراص فائدة خاصة لدى الرجال المصابين بتضخم البروستاتا الحميد حيث تساهم في تخفيف الأعراض البولية وتحسين تدفق البول وتشير بعض الأبحاث المخبرية إلى قدرتها على كبح تكاثر الخلايا غير الطبيعية في أنسجة البروستات
وفي ما يتعلق بصحة القلب والدورة الدموية تبيّن أن شاي أوراق القراص قد يساهم في خفض ضغط الدم بدرجة معتدلة عبر تأثيره الموسّع للأوعية ودوره في تحسين توازن السوائل كما أن بعض مركباته تساعد في تقليل فرط التخثر ما ينعكس إيجابًا على الوقاية من الجلطات عند الأشخاص المعرضين لذلك مع ضرورة الحذر لدى من يتناولون أدوية مميعة للدم
وتبرز عشبة القراص أيضًا كداعم فعّال لجهاز المناعة إذ أظهرت الدراسات أنها تحفز نشاط الخلايا اللمفاوية التائية والخلايا البلعمية الكبيرة المسؤولة عن ابتلاع الجراثيم ما يعزز قدرة الجسم على مواجهة العدوى و خاصة في فترات الإجهاد أو تبدل الفصول هذا التأثير المناعي يجعلها خيارًا مناسبًا كمشروب أو مكمل غذائي خلال مواسم نزلات البرد والأمراض الفيروسية
أما بذور القراص، فتُعد الجزء الأكثر ارتباطًا بالتنشيط العام والجنسي إذ تحتوي على تركيز عالٍ من مضادات الأكسدة والمعادن النادرة إضافة إلى مركبات الفيتوستيرولات وعلى رأسها بيتا-سيتوستيرول التي تؤثر في استقلاب الهرمونات الذكرية عبر الحد من تحول التستوستيرون إلى ديهدروتستوستيرون ما يساهم في رفع مستويات التستوستيرون الحر وهو ما يفسر دورها في تعزيز الرغبة الجنسية والحيوية ومقاومة التعب ونقص الطاقة كما استُخدمت تقليديًا لدعم إدرار الحليب لدى الأمهات المرضعات وتحسين القدرة البدنية
ولا تقتصر فوائد القراص على الداخل فقط بل تمتد إلى العناية بالشعر إذ تُستخدم أوراقها وبذورها في مستحضرات مقاومة تساقط الشعر لما لها من قدرة على تحسين تروية فروة الرأس وتغذية بصيلات الشعر بالعناصر الضرورية ما يعزز نمو الشعر وكثافته ولمعانه
خلاصة القول إن عشبة القراص تمثل مثالًا واضحًا على كيف يمكن لنبات بسيط طالما اعتُبر مزعجًا أو عديم القيمة أن يتحول بفضل العلم إلى كنز صحي متكامل يجمع بين دعم المناعة وتحسين الوظائف الحيوية وتعزيز الطاقة والحيوية شريطة استخدامها بوعي واعتدال وتحت إشراف طبي عند وجود أمراض مزمنة أو تناول أدوية منتظمة – بواسطة نيرمين الصايغ
