في السنوات الأخيرة لم يعد زيت الزيتون البِكر الممتاز مجرد مكوّن أساسي في المطبخ المتوسطي بل تحوّل إلى موضوع بحث علمي متزايد في مجال الالتهاب والألم وهذا الاهتمام لم يأتِ من فراغ إذ كشفت دراسات حديثة أن بعض المركّبات الحيوية الموجودة في زيت الزيتون قد تمتلك خصائص بيولوجية قادرة على التأثير في آليات الالتهاب داخل الجسم وهي الآليات نفسها التي تستهدفها بعض مسكنات الألم الشائعة غير أن هذا الاكتشاف العلمي على أهميته يحتاج إلى قراءة هادئة ومتوازنة بعيداً عن التبسيط أو المبالغة
يحتوي زيت الزيتون البِكر الممتاز ولا سيما الطازج والمعصور على البارد على مجموعة من المركبات الفينولية النشطة بيولوجياً وأبرزها الأوليكانثال والأوليورِزين هذان المركّبان يتميزان بقدرة محتملة على تثبيط بعض الإنزيمات المسؤولة عن إنتاج مواد التهابية في الجسم وهي مواد تلعب دوراً محورياً في نشوء الألم المزمن وتفاقمه وقد أظهرت أبحاث مخبرية أن الأوليكانثال على وجه الخصوص يؤثر في المسارات الالتهابية بطريقة تشبه – من حيث المبدأ – تأثير بعض الأدوية المضادة للالتهاب غير الستيرويدية لكن بجرعات أقل بكثير وبآلية غذائية بطيئة التراكم
من الناحية العلمية يجب التمييز بوضوح بين التأثير الدوائي السريع والتأثير الغذائي التراكمي فالأدوية المسكنة صُممت لإحداث استجابة فورية نسبياً عبر جرعات دقيقة ومضبوطة بينما يعمل زيت الزيتون ضمن سياق مختلف تماماً. ففوائده لا تظهر عادة بعد جرعة واحدة، بل تتجلى مع الاستهلاك المنتظم طويل الأمد كجزء من نمط غذائي متكامل حيث يساهم في خفض الالتهاب المزمن منخفض الدرجة وهو النوع المرتبط بأمراض المفاصل وأمراض القلب وبعض أشكال الألم المستمر
وتشير الدراسات السريرية المتوفرة رغم محدوديتها إلى أن إدخال زيت الزيتون البِكر الممتاز بشكل يومي في الغذاء قد يخفّف من مؤشرات الالتهاب في الدم ويقلل من الإجهاد التأكسدي الذي يُعد عاملاً مساهماً في تلف الأنسجة وزيادة الإحساس بالألم كما يُعتقد أن التأثير المفيد لزيت الزيتون لا يعود إلى مركّب واحد فقط، بل إلى ما يُعرف بالتأثير التآزري أي تفاعل مجموعة المركبات الفينولية مع الدهون الأحادية غير المشبعة والفيتامينات الطبيعية الموجودة فيه وهو ما لا يمكن استنساخه بسهولة في المكمّلات الغذائية المعزولة
من المهم التأكيد أن زيت الزيتون على الرغم من هذه الخصائص الواعدة لا يُعد بديلاً طبياً لمسكنات الألم ولا يمكن الاعتماد عليه لعلاج الألم الحاد أو الحالات التي تتطلب تدخلاً دوائياً مباشراً فكمية الأوليكانثال في الزيت حتى عالي الجودة تبقى محدودة وتتأثر بعوامل كثيرة مثل نوع الزيتون وطريقة العصر والتخزين ومدة الصلاحية لذلك فإن دوره يظل وقائياً وداعماً أكثر منه علاجياً مباشراً
أما من حيث الكمية فيرى الباحثون أن استهلاك ملعقتين إلى أربع ملاعق طعام يومياً من زيت الزيتون البِكر الممتاز قد يكون كافياً لدعم التأثير المضاد للالتهاب على المدى الطويل خاصة إذا ترافق مع نظام غذائي متوازن ونمط حياة صحي وقد جرى أيضاً اختبار استخدامه موضعياً في بعض حالات آلام المفاصل لكن الأدلة في هذا المجال لا تزال غير كافية لتوصيته كعلاج مستقل
ولا تقتصر فوائد زيت الزيتون على مسألة الألم وحدها إذ إن قيمته الصحية الأشمل تكمن في دعمه لصحة القلب والأوعية الدموية من خلال خفض الكوليسترول الضار وتحسين مرونة الأوعية والمساهمة في ضبط ضغط الدم وتقليل خطر تشكّل الجلطات وهي عوامل مترابطة بشكل غير مباشر مع خفض الالتهاب العام في الجسم
خلاصة القول إن زيت الزيتون البِكر الممتاز ليس دواءً بالمعنى الطبي ولا علاجاً سريعاً للألم لكنه عنصر غذائي فريد يمكن أن يلعب دوراً داعماً ومهماً في تقليل الالتهاب المزمن وتحسين جودة الحياة على المدى البعيد إن إدراجه بانتظام في النظام الغذائي هو استثمار صحي طويل الأمد لا بديلاً عن العلاج الطبي بل شريكاً ذكياً له ضمن رؤية شاملة للصحة والوقاية- بواسطة زكية الدمنهوري
