في خضم الارتفاع العالمي في معدلات السرطان يبرز سرطان البروستات بوصفه أحد أكثر السرطانات شيوعًا بين الرجال خصوصًا بعد منتصف العمر وهو مرض ينشأ في غدة صغيرة فبحجم حبة الجوز تقع أسفل المثانة وتحيط بمجرى البول وتلعب دورًا أساسيًا في إنتاج جزء من السائل المنوي ورغم أن كثيرًا من حالات سرطان البروستات تنمو ببطء وقد لا تسبب أعراضًا واضحة لسنوات إلا أن بعض أنواعه تكون عدوانية وسريعة الانتشار ما يجعل فهم أسبابه وعوامل خطره مسألة حيوية في السنوات الأخيرة لم يعد التركيز منصبًا فقط على العمر والعامل الوراثي بل بدأ العلماء يسلطون الضوء على البيئة المحيطة بنا وعلى رأسها الهواء الذي نتنفسه يوميًا إذ تتزايد الأدلة التي تشير إلى أن تلوث الهواء لا يضر الرئتين والقلب فحسب بل قد يساهم أيضًا في خلق بيئة بيولوجية داخل الجسم تشجع على نشوء الأورام بما فيها أورام البروستات الهواء الملوث يحتوي على خليط معقد من الجسيمات الدقيقة والغازات السامة  

وأكاسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت والمركبات العضوية المتطايرة والمعادن الثقيلة وهذه المواد قادرة على التغلغل عميقًا في الرئتين ثم العبور إلى مجرى الدم لتصل إلى أعضاء بعيدة عن الجهاز التنفسي من بينها غدة البروستات وعند دخول هذه الملوثات إلى الجسم فإنها تثير حالة مستمرة من الالتهاب منخفض الدرجة وهو نوع من الالتهاب الصامت الذي لا يشعر به الإنسان مباشرة لكنه يرهق الخلايا والأنسجة على مدى سنوات هذا الالتهاب المزمن يرتبط بإنتاج كميات زائدة من الجذور الحرة وهي جزيئات غير مستقرة تسبب ما يسمى بالإجهاد التأكسدي الذي يمكنه إتلاف الحمض النووي داخل الخلايا وعندما يتضرر الحمض النووي ولا يتم إصلاحه بشكل صحيح تبدأ الأخطاء الجينية بالتراكم وقد تتحول الخلايا الطبيعية تدريجيًا إلى خلايا سرطانية ومن الجوانب العلمية المهمة التي لفتت انتباه الباحثين أن بعض ملوثات الهواء تعمل كمُعطِّلات للغدد الصماء أي أنها تحاكي عمل الهرمونات أو تعطل توازنها الطبيعي داخل الجسم وغدة البروستات حساسة جدًا للتغيرات الهرمونية وخصوصًا لهرمون التستوستيرون ومشتقاته التي تنظم نمو خلاياها وعندما يختل هذا التوازن لفترات طويلة قد يزداد تحفيز الخلايا على الانقسام بشكل غير منضبط ما يرفع احتمال التحول السرطاني كذلك تشير دراسات حديثة إلى أن التعرض المزمن للتلوث قد يؤثر في الجهاز المناعي فيضعف قدرته على التعرف المبكر على الخلايا غير الطبيعية والتخلص منها وهي وظيفة حيوية عادة ما تحمينا من تطور الأورام في مراحلها الأولى كما أن بعض الأبحاث وجدت ارتباطًا بين التلوث وتغيرات في ما يسمى بعلم التخلق أي التعديلات الكيميائية التي تتحكم في تشغيل وإيقاف الجينات دون تغيير تسلسلها الأساسي وهذه التغيرات قد تنشط جينات مرتبطة بالسرطان أو تعطل جينات واقية منه وعلى مستوى الدراسات السكانية لوحظ أن الرجال الذين يعيشون لسنوات طويلة في مناطق ذات ازدحام مروري كثيف أو قرب المصانع ومحطات الطاقة يعانون نسبًا أعلى من سرطان البروستات خاصة الأشكال الأكثر شراسة التي تميل إلى الانتشار خارج الغدة بسرعة ويبدو أن الخطر يزداد كلما طالت مدة التعرض ما يدعم فكرة أن الضرر تراكمي ويتشكل ببطء عبر السنين ولا يعني ذلك أن التلوث يعمل وحده بمعزل عن بقية العوامل بل يتفاعل مع نمط الحياة والعوامل الشخصية فالسمنة مثلًا ترتبط بزيادة الالتهاب في الجسم واضطراب التوازن الهرموني وعندما تجتمع مع التعرض للهواء الملوث قد يتضاعف التأثير الضار وكذلك يلعب النظام الغذائي دورًا مهمًا فالإفراط في الدهون المشبعة واللحوم المصنعة مع قلة تناول الخضار والفواكه الغنية بمضادات الأكسدة يقلل قدرة الجسم على مقاومة الإجهاد التأكسدي أما قلة الحركة فتضعف الدورة الدموية والمناعة ما يهيئ بيئة أقل قدرة على مقاومة التغيرات السرطانية ويبقى العمر العامل الأقوى إذ ترتفع معدلات الإصابة بوضوح بعد سن الخمسين وتزداد أكثر بعد الستين كما أن وجود تاريخ عائلي للمرض أو طفرات جينية معينة يزيد من القابلية لكن وجود هذه العوامل لا يعني حتمية الإصابة بل يشير إلى ضرورة الانتباه أكثر للوقاية والكشف المبكر ومن الخطوات العملية التي يمكن أن تقلل المخاطر قدر الإمكان تجنب التعرض الطويل للهواء الملوث خاصة في أوقات الذروة المرورية واستخدام الكمامات المخصصة للملوثات الدقيقة عند الضرورة وتحسين تهوية المنازل واستخدام أجهزة تنقية الهواء عند السكن في مناطق ملوثة إضافة إلى تبني نمط حياة داعم للصحة يشمل غذاء متوازنًا غنيًا بالخضار والفواكه والبقوليات وممارسة النشاط البدني بانتظام والحفاظ على وزن صحي والامتناع عن التدخين كما تظل الفحوصات الدورية مثل تحليل مستضد البروستات النوعي

 PSA

والفحص السريري مهمة خصوصًا لمن تجاوزوا سن الخمسين أو لديهم عوامل خطر لأن الاكتشاف المبكر يزيد فرص العلاج الناجح ويقلل الحاجة إلى علاجات معقدة في المراحل المتقدمة إن الربط المتزايد بين تلوث الهواء وسرطان البروستات يذكرنا بأن الصحة ليست مسألة طبية فردية فقط بل هي أيضًا قضية بيئية ومجتمعية وأن تحسين جودة الهواء الذي نتنفسه قد يكون في المستقبل أحد أهم أساليب الوقاية من السرطان تمامًا كما هو دواء للصدر والقلب –بواسطة د.م.ش.السلطي