هناك أطعمة يمكن أن تدعم المزاج فعلًا ولكن ليس بطريقة سحرية أو فورية بل عبر تأثيرات بيولوجية هادئة ومتراكمة على الدماغ والجهاز العصبي والهرمونات فالمزاج ليس مجرد حالة نفسية عابرة بل هو نتيجة تفاعل معقّد بين كيمياء الدماغ ومستوى السكر في الدم وصحة الأمعاء، الالتهاب في الجسم ونوعية المغذيات التي تصل إلى الخلايا العصبية ولذلك فإن ما نأكله يوميًا يمكن أن يكون عاملًا مساعدًا حقيقيًا في تعزيز الشعور بالهدوء والتوازن والطاقة النفسية.
الدماغ يحتاج باستمرار إلى مواد أولية ليصنع نواقل عصبية مثل السيروتونين والدوبامين وهما عنصران أساسيان في الإحساس بالرضا والتحفيز ومن أهم هذه المواد الحمض الأميني تريبتوفان الموجود في بعض الأطعمة الغنية بالبروتين، كما يحتاج إلى فيتامينات كمجموعة الفيتامين ب
والمغنيسيوم والحديد والزنك كي تتم هذه العمليات الكيميائية بكفاءة وعندما يحدث نقص مزمن في هذه العناصر قد يظهر ذلك على شكل تعب نفسي وسرعة انفعال أو ميل للحزن والإحباط دون سبب واضح. الشوكولاتة الداكنة التي تحتوي على نسبة عالية من الكاكاو وقليلة السكر تُعد من أكثر الأطعمة التي دُرست في هذا المجال فهي غنية بمركبات نباتية مضادة للأكسدة تُسمى الفلافونويدات تساعد على تحسين تدفق الدم إلى الدماغ وتقليل الالتهاب كما أنها تحفّز إفراز مواد مرتبطة بالشعور بالراحة، لكن الفائدة ترتبط بالاعتدال وباختيار النوع الداكن لا المليء بالسكر والدهون الصناعية. الفواكه الغنية بفيتامين س
مثل الفراولة والحمضيات تلعب دورًا داعمًا أيضًا لأن هذا الفيتامين يشارك في تقليل هرمونات التوتر ويساعد الجسم على امتصاص الحديد الضروري لنقل الأكسجين إلى الدماغ كما أن ألوانها الزاهية تعكس احتواءها على مضادات أكسدة تحمي الخلايا العصبية من الإجهاد التأكسدي المرتبط بتدهور المزاج مع الزمن. العنب خاصة الأحمر والبنفسجي يحتوي على مركبات بوليفينول مثل الريسفيراترول التي تُدرس لعلاقتها بصحة الدماغ والدورة الدموية وهو مثال على أن الفاكهة الكاملة أفضل بكثير من العصائر المحلاة التي ترفع سكر الدم بسرعة ثم تتركه يهبط فجأة مما ينعكس تقلبًا في المزاج والطاقة. المكسرات والبذور مثل اللوز والجوز وبذور دوار الشمس غنية بالدهون الصحية غير المشبعة وأحماض أوميغا-3 النباتية والمغنيسيوم والسيلينيوم وهذه العناصر ترتبط بانخفاض معدلات الالتهاب ودعم استقرار الإشارات العصبية وقد أظهرت ملاحظات غذائية أن الأشخاص الذين يتناولون حفنة صغيرة من المكسرات بانتظام يميلون إلى توازن أفضل في الطاقة والشهية وبالتالي في حالتهم النفسية. الأسماك الدهنية مثل السلمون والسردين تُعتبر من أهم مصادر أوميغا-3 طويلة السلسلة التي تدخل في تركيب أغشية الخلايا العصبية وتؤثر في طريقة تواصلها وبعض الدراسات تربط بين انخفاض استهلاك هذه الدهون وارتفاع معدلات الاكتئاب ما يجعل إدخالها في النظام الغذائي مرتين أسبوعيًا خطوة مفيدة للصحة النفسية والقلبية معًا. الخضروات الورقية الداكنة كالسبانخ والجرجير مليئة بحمض الفوليك والمغنيسيوم ونقص الفولات تحديدًا ارتبط في أبحاث عدة باضطرابات المزاج كما أن الألياف الموجودة في هذه الخضروات تغذي بكتيريا الأمعاء النافعة وهنا يظهر محور مهم جدًا هو العلاقة بين الأمعاء والدماغ إذ إن توازن البكتيريا المعوية يساهم في إنتاج مركبات تؤثر على الالتهاب وعلى تصنيع بعض النواقل العصبية لذلك فإن الزبادي الطبيعي الغني بالبروبيوتيك والأطعمة المخمرة يمكن أن تدعم المزاج بشكل غير مباشر عبر تحسين صحة الجهاز الهضمي. الحبوب الكاملة مثل الشوفان تمنح طاقة بطيئة وثابتة بفضل احتوائها على ألياف تبطئ امتصاص السكر وهذا يمنع التقلبات الحادة في سكر الدم التي كثيرًا ما تترافق مع العصبية والتعب الذهني وعند دمجها مع مصدر بروتين مثل اللبن أو المكسرات يصبح الإفطار داعمًا للتركيز والمزاج لساعات أطول. حتى الموز له دور لطيف لاحتوائه على فيتامين ب6
الضروري لتحويل التريبتوفان إلى سيروتونين إضافة إلى البوتاسيوم الذي يدعم وظيفة الأعصاب والعضلات. في المقابل، الإفراط في السكريات السريعة والمخبوزات البيضاء والمشروبات المحلاة قد يعطي دفعة مؤقتة من النشاط يتبعها هبوط حاد ينعكس كخمول وتوتر كما أن الأنظمة الغذائية الفقيرة والمتكررة التي تفتقر إلى التنوع قد تحرم الدماغ من عناصر يحتاجها يوميًا ليحافظ على توازنه الكيميائي. من المهم فهم أن الطعام ليس بديلًا عن العلاج الطبي أو النفسي في حالات الاكتئاب السريري لكنه جزء أساسي من نمط حياة داعم يشمل النوم الكافي الحركة المنتظمة والتواصل الاجتماعي وعندما تجتمع هذه العوامل مع تغذية متوازنة يصبح الجسم والدماغ في بيئة أفضل بكثير لمقاومة الضغط النفسي واستعادة الإحساس بالهدوء والقدرة على الاستمتاع بالحياة – بواسطة عبير محمد
