الافراط في التفكير والطاقة الإيجابية
الإفراط في التفكير ليس دائمًا عدوًا للعقل كما نظن بل قد يكون طاقة خام تنتظر من يعيد توجيهها فالعقل الذي يفكر كثيرًا هو عقل حيّ يقظ لكنه حين يفقد البوصلة يتحول إلى طاحونة تدور بلا قمح فتطحن نفسها بدل أن تصنع الخبز وكثيرًا ما يظن الإنسان أن مشكلته هي التفكير ذاته بينما المشكلة الحقيقية تكمن في
طريقة استخدام هذا التفكير فالأفكار حين تتراكم بلا نظام تصبح كغرفة ممتلئة بالأثاث لا تسمح لك بالحركة
أما حين يعاد ترتيبها فإنها تتحول إلى بيت مريح يسهل العيش فيه ولذلك فإن الخطوة الأولى لتحويل الإفراط في التفكير إلى طاقة إيجابية تبدأ بتغيير النظرة إليه من كونه عبئًا إلى كونه قدرة تحتاج إلى تدريب فالمفكر المرهق هو في جوهره إنسان يمتلك حساسية عالية تجاه الحياة والتفاصيل لكنه لم يتعلم بعد كيف يضع حدودًا لأفكاره وكيف يميز بين ما يستحق التأمل وما يجب تركه يمضي مثل الغيوم في السماء ولعل أهم ما يثقل العقل ليس كثرة الأفكار بل تكرار الفكرة نفسها دون نتيجة كأن العقل يدور في دائرة مغلقة لا باب لها ولا نافذة ومن هنا يصبح تحويل التفكير إلى طاقة إيجابية عملية تشبه تحويل مجرى نهر من أرض موحلة إلى أرض خصبة حيث يستفيد الإنسان من الماء بدل أن يغرق فيه وأول مفاتيح ذلك هو الكتابة لأن الأفكار حين تبقى في الداخل تتضخم وحين توضع على الورق تصبح قابلة للفهم والسيطرة وكأنك تخرجها من الضباب إلى الضوء فتراها بحجمها الحقيقي لا بحجم خوفك منها ثم يأتي الوعي باللحظة الحاضرة كخطوة ثانية لأن العقل المفرط في التفكير يعيش غالبًا بين ماضٍ لا يمكن تغييره ومستقبل لم يحدث بعد بينما الهدوء الحقيقي يسكن في الحاضر حيث يستطيع الإنسان أن يفعل شيئًا ملموسًا ولو كان بسيطًا فالفعل الصغير يقطع سلسلة التفكير الطويلة ويعيد للعقل إحساس السيطرة ومن الوسائل الفعالة أيضًا تحويل التفكير إلى تخطيط لأن الفكرة التي تقلقك يمكن أن تصبح مشروعًا حين تتحول إلى خطوات واضحة فالقلق بشأن المستقبل مثلًا يمكن أن يصبح خطة عمل أو تعلّم مهارة جديدة أو تنظيمًا ماليًا أو مشروع كتابة أو أي نشاط يمنح الفكر اتجاهًا بدل الدوران وكأن العقل حين يجد طريقًا يسير فيه يتوقف عن الركض في كل الاتجاهات في آن واحد كما أن الجسد يلعب دورًا أساسيًا في تهدئة العقل فالحركة البسيطة مثل المشي أو التنفس العميق أو ممارسة رياضة خفيفة تعيد التوازن بين الفكر والجسم لأن التفكير المفرط غالبًا ما يكون طاقة عقلية محبوسة تحتاج إلى منفذ جسدي ومن النصائح المهمة أيضًا تعلم فن التوقف عن التفكير لا بالقوة بل بالتحويل أي نقل الانتباه إلى عمل إبداعي أو قراءة أو حديث إنساني دافئ لأن العقل لا يحب الفراغ فإذا لم نعطه شيئًا مفيدًا سيعود إلى القلق تلقائيًا وهناك جانب إيجابي عميق في الإفراط في التفكير لا ينتبه إليه كثيرون وهو أنه دليل على خيال خصب وقدرة على التحليل وهذه صفات المبدعين والكتّاب والفلاسفة لكنها تحتاج إلى الانضباط حتى لا تتحول إلى إرهاق فالتفكير إذا اقترن بالحكمة يصبح بصيرة وإذا اقترن بالخوف يصبح عبئًا ولذلك فإن تدريب النفس على طرح سؤال بسيط عند كل فكرة مزعجة وهو هل هذه الفكرة مفيدة الآن أم مجرد عادة عقلية قد يختصر الكثير من التعب لأن بعض الأفكار لا تحتاج إلى حل بل إلى تجاهل هادئ ومع الوقت يتعلم الإنسان أن العقل مثل الحديقة إن لم نعتن به نبتت فيه الأعشاب العشوائية وإن اعتنينا به أثمر أفكارًا جميلة ومثمرة وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة يكتشف أن الإفراط في التفكير لم يكن عيبًا في يوم من الأيام بل كان قوة غير موجهة وأن الطاقة نفسها التي كانت تسبب القلق يمكن أن تصبح مصدر إبداع وهدوء ونضج وأن العقل الذي كان يرهق صاحبه قادر على أن يصبح صديقه الأقرب حين يتعلم صاحبه كيف يصغي إليه دون أن يسمح له بالسيطرة عليه وكيف يقوده بدل أن يُقاد به لأن السلام الداخلي لا يعني توقف التفكير بل يعني أن يصبح التفكير خادمًا للحياة لا سيدًا عليها
بواسطة حميد المنفلوطي
