في مساء غابر من ليالي الحكمة، التقى أبو الفهم، حكيم حكماء البشر، بأبي صابر، حكيم حكماء الحمير، في ظل شجرة وحيدة بقيت شاهدة على مجد غابةٍ كانت هنا ذات يوم، قبل أن يقتلعها البشر ويحولوها إلى مكعبات إسمنتية صماء وسط بحرٍ من الخرسانة وكان أبو صابر يتأمل بمرارة أكوام الأبنية الرمادية الممتدة حتى الأفق إلى جانبه كان أبو الفهم، حكيم حكماء البشر، ينظر إلى المدينة المكتظة بفخر، وكأنها

  شهادةٌ على تفوق الإنسان لكن أبا صابر لم يحتمل الصمت أكثر، فرفع صوته قائلاً بأي حق ابها البشر تتحدثون عن التقدم والتطور، لكن بأي ثمن؟ أليست هذه الأرض التي تسيرون عليها هي ذاتها التي

    كانت تحتضن أشجارًا ضخمة، تسكنها الطيور، وترعى فيها الغزلان؟ أليس هذا الهواء الذي تملأوه بالدخان والضجيج هو ذات النسيم العليل الذي كان يهب بين الأغصان بأي حق استبحتم هذه الأرض، فحولتموها إلى متاهة من الإسمنت والحديد                                                                  

تأمل أبو الفهم كلمات أبي صابر، ثم قال                                                                         

 لكن يا صديقي الحكيم، نحن أيضًا نحب الطبيعة، ولدينا قوانين لحمايتها! صحيح أننا نبني، لكننا نحاول التوازن. هناك حدائق وطنية، وهناك جمعيات بيئية، وهناك أناس يدافعون عن الطبيعة مثلك تمامًا

يا أبا صابر، نحن نبني حضارتنا، نوسع مدننا، نبحث عن الرقي والتقدم. هذه المباني هي بيوتنا، وهي مصانعنا ومدارسنا، وهي التي تجعل حياتنا أكثر راحة                                                   

ضحك أبو صابر بمرارة وقال                                                                                    

 تتحدث عن الحدائق الوطنية وكأنها صدقة تعطونها للطبيعة بعد أن سلبتموها حقها! أتعرف الفرق بينكم وبيننا نحن الحمير؟ نحن نعيش مع الطبيعة، أما أنتم فتعاملونها كعدو تروضونه، ثم تتباكون عليها بعد فوات الأوان و تقدم خطوة نحو أبي الفهم، ناظراً إليه بحدة، قبل أن يكمل هجومه العنيف والمحق وقال لماذا

  تزيفون الحقائق تقولون إنكم تحبون الطبيعة؟ كيف لمن يدّعي الحب أن يقتل حبيبته؟ تقطعون الأشجار

   ثم تزرعون نبتةً صغيرة في حوض وتتباهون بها وكأنها تعوض جريمة اقتلاع غابة! تذبحون الأنهار، ثم تضعون نافورةً في ساحةٍ عامة، وتصفقون لها بفخرٍ أحمق تضعون العصافير في أقفاص، وتسمونها زينة

 تتحدثون عن المتنزهات والمساحات الخضراء وكأنها منّة تمنحونها للطبيعة! يا لبؤس منطقكم! أنتم تبنون عالماً يختنق فيه البشر، ثم تبحثون عن زاوية صغيرة من العشب لتخففوا بها شعوركم بالذنب               

 تقولون نحن نحمي البيئة! عن أي حماية تتحدثون؟ تقيمون مؤتمرات فاخرة لمناقشة الاحتباس الحراري، فيما ناطحات سحابكم تزداد ارتفاعًا، ومصانعكم لا تتوقف عن قذف السموم في السماء! تنظمون حملات تنظيف للشواطئ، بينما سفنكم تقذف القاذورات في المحيطات بلا توقف! هل هذه هي الحماية؟! أم أنه مجرد تسويق براق لاستغلال آخر؟   أنتم قوم يزورون الطبيعة ولا يعشقونها                                     

 علينا ان نعترف بالحقيقة المرة: كل شيء لأجل الجيوب                                                       

 أتعرفون لماذا تبنون هذه المجمعات التجارية الضخمة؟ لماذا تستبدلون الغابات بالمباني؟ لأنكم عبدة المال  لو كنتم تبنون من أجل البشر، لكانت هناك مساحات أوسع للهواء النقي، لكان هناك تناغم بين الطبيعة والمدينة. لكنكم لا تفكرون إلا في جيوبكم! الأرض ليست سوى سلعة بالنسبة لكم، والأشجار لا تعني لكم شيئًا ما لم تتحول إلى أخشاب وأثاث فاخر                                                                    

 كل ما تفعلونه من توسعٍ حضريّ ليس إلا تجارةً مقنعة. تشيدون الأبراج الفاخرة، تبيعونها بأسعار خيالية، ثم تتساءلون لماذا لا يجد الفقراء مكانًا للعيش! تهدمون الحقول، وتحولونها إلى مراكز تسوق، ثم تتباكون على ارتفاع أسعار الغذاء! تخلقون المشكلة، ثم تدّعون البحث عن الحل ان لغضب الطبيعة قادم لا محالة  

 انتظروا ولكن لا تفرحوا كثيرًا! فكما تزرعون الخراب، ستحصدونه. الأرض التي خنقتموها سترد الصاع صاعين الأعاصير و البراكين والفيضانات، التصحر، والاحتباس الحراري ليست إلا رسائل صغيرة من الطبيعة، تحذركم مما هو قادم لكنكم حمقى، لا تفهمون إلا حين يفوت الأوان ...                        

 سيأتي يومٌ تندمون فيه على كل شجرة قطعتموها، وعلى كل نهر جففتموه، وعلى كل حقل سحقتموه تحت جشعكم وطمعكم لكنني أخشى أن يكون الأوان قد فات عندها، وحينها لن ينفعكم مالكم ولا أبراجكم الشاهقة

أبو الفهم يصمت... لأول مرة كلماته خانته لأنه بالفعل لم يجد ما يقوله امام الكلمات المحقة لأبو صابر  

وقف أبو الفهم مذهولاً، لم يجد جوابًا و لأول مرة، شعر أن كلماته المتزنة لا تملك وزنًا أمام غضب الحقيقة  وكان في أعماقه يعلم أن أبا صابر على حق، لكنه لم يجرؤ على الاعتراف بذلك                             

                                                                      

ساد الصمت للحظات، ثم أطرق أبو الفهم رأسه وقال بصوت هادئ لعلّ في كلامك بعض الحق، يا أبا صابر

  لقد أسرفنا في استغلال الأرض، ولعلّنا بحاجة إلى إعادة التفكير في علاقتنا بها                            

رفع أبو صابر رأسه بكبرياء وقال                                                                       

 إن كان في كلامي بعض الحق، ففي واقعكم كل الخطأ! لا تطلبوا الرحمة من الطبيعة بعد أن تسلبوها حياتها .

وهكذا انتهى الحوار، لكن أصواته بقيت تتردد بين الأزقة الإسمنتية، وبين آخر الأشجار التي تصارع الزمن لتبقى وظل صوت أبو صابر يقرع ضمائر لم  تعد تسمع او ربما لا تريد ان تسمع

   من كتاب مدرسة الحكمة والصبر-د. كمال توبة