التأخر العقلي عند الأطفال أو ما يُعرف علميًا باضطراب النمو الذهني هو حالة تتميز بوجود قصور واضح في الوظائف الذهنية العامة وفي القدرة على التكيف مع متطلبات الحياة اليومية ويُشخّص هذا الاضطراب عادة في مرحلة الطفولة المبكرة عندما يلاحظ الأهل أو المختصون أن الطفل لا يحقق المعالم النمائية المتوقعة لعمره سواء في الجانب اللغوي أو الحركي أو الاجتماعي فمثلاً عندما يتجاوز الطفل عمر الثلاث سنوات دون أن يتمكن من المشي بثبات أو فهم التعليمات البسيطة أو الإشارة إلى والديه أو التعبير بالكلام أو التفاعل مع البيئة المحيطة فإن ذلك يستدعي تقييماً طبياً دقيقاً لأن هذه العلامات قد تشير إلى خلل في تطور الجهاز العصبي المركزي
يرتبط هذا الاضطراب غالباً بعوامل متعددة قد تبدأ منذ الحياة الجنينية مثل التشوهات الخلقية أو الاضطرابات الوراثية أو نقص الأكسجين أثناء الولادة كما قد تنجم عن إصابات دماغية أو التهابات مثل التهاب السحايا أو التعرض لرضوض خلال الطفولة المبكرة إضافة إلى عوامل بيئية كالتسمم بالرصاص أو سوء التغذية الشديد وكل هذه العوامل قد تؤثر على نمو الدماغ أو على كفاءة عمله الوظيفي مما ينعكس على قدرات الطفل الإدراكية والسلوكية ويظهر ذلك بشكل أوضح خلال السنوات الأولى من العمر ولا سيما بين السنة الثانية والسادسة حيث يكون الدماغ في مرحلة نمو وتشكّل سريع
يُعد الدماغ المحور الأساسي لجميع العمليات المعرفية العليا مثل التفكير المجرد والذاكرة والانتباه والتحليل والاستنتاج والقدرة على فهم الزمن والمكان والتفاعل مع الآخرين لذلك فإن أي خلل في بنية الدماغ أو في وظائفه ينعكس مباشرة على هذه القدرات ومن هنا تأتي أهمية التقييم الشامل قبل إطلاق حكم نهائي على الطفل إذ لا يجوز الاكتفاء بالملاحظة السطحية بل يجب إجراء تقييم متعدد الأبعاد يشمل الفحص السريري العصبي واختبارات الذكاء المقننة ودراسة السلوك التكيفي والمهارات اللغوية والحركية إضافة إلى التحاليل المخبرية والفحوصات الشعاعية عند الحاجة
تعتمد عملية التشخيص الحديثة على مفهومين أساسيين هما القدرة الذهنية العامة والتي تقاس غالباً باختبارات الذكاء المعيارية والسلوك التكيفي الذي يشمل مهارات الحياة اليومية والتواصل والاستقلالية ويُعبّر عن الذكاء عادة بنسبة الذكاء أو IQ وهي ناتج مقارنة العمر العقلي بالعمر الزمني إلا أن المفهوم الحديث لم يعد يعتمد على هذه النسبة وحدها بل يأخذ بعين الاعتبار الأداء الوظيفي الشامل للطفل في بيئته الحياتية
ومن المعروف أن متوسط الذكاء في عموم السكان يقارب 100 درجة مع انحراف معياري محدد ويُعتبر الأفراد ذوو الذكاء المرتفع ضمن المجال الذي يزيد عن 120 درجة بينما يُشخّص اضطراب النمو الذهني عندما تكون نسبة الذكاء أقل من 70 تقريباً مع وجود قصور واضح في السلوك التكيفي ويُصنّف هذا الاضطراب إلى درجات متفاوتة الشدة حيث تمثل الدرجة الشديدة جداً الحالات التي تقل فيها نسبة الذكاء عن 20 ويكون فيها العمر العقلي أقل من سنتين ويحتاج الطفل إلى رعاية كاملة ودائمة لأنه غير قادر على حماية نفسه من المخاطر
أما الدرجة الشديدة والمتوسطة التي تتراوح فيها نسبة الذكاء بين 21 و50 فيكون الطفل قادراً على اكتساب بعض المهارات الأساسية مثل الكلام البسيط وتنفيذ التعليمات المحدودة والتعرف إلى الأخطار الخارجية إلا أن قدرته على التعلم الأكاديمي تكون محدودة ويحتاج إلى برامج تعليمية خاصة ومتابعة مستمرة
وفي الحالات الخفيفة التي تتراوح نسبة الذكاء فيها بين 51 و70 يكون الطفل قادراً على تعلم مهارات القراءة والكتابة الأساسية والتقدم الدراسي بشكل بطيء كما يمكنه اكتساب مهارات مهنية بسيطة والعمل بدرجة من الاستقلالية مع وجود إشراف جزئي
أما الفئة الحدية التي تقع بين 70 و80 فهي لا تُصنف عادة ضمن التأخر العقلي ولكنها تمثل منطقة انتقالية قد يظهر فيها ضعف نسبي في التحصيل الدراسي أو في بعض المهارات المعرفية والاجتماعية ويستطيع معظم هؤلاء الأطفال الاندماج في المجتمع والتعليم النظامي مع بعض الدعم التربوي
ومن المهم التأكيد على أن القصور الذهني لا يظهر بشكل متجانس لدى جميع الأطفال فقد يمتلك الطفل قدرات جيدة في بعض المجالات مثل الذاكرة البصرية أو المهارات الحركية مقابل ضعف في مجالات أخرى كالتفكير المجرد أو اللغة وهذا يفرض ضرورة وضع خطة فردية لكل طفل تعتمد على نقاط القوة لديه وتعمل على تنميتها إلى جانب معالجة نقاط الضعف
إن التشخيص المبكر والتدخل العلاجي والتربوي المبكر يشكلان حجر الأساس في تحسين نوعية حياة الطفل إذ يمكن من خلال برامج التأهيل المتكاملة التي تشمل العلاج الوظيفي وعلاج النطق والدعم النفسي والتعليمي أن نساعد الطفل على تحقيق أقصى ما يمكن من استقلالية وقدرة على التكيف مع المجتمع كما أن توجيه الطفل نحو مهن وأنشطة تتناسب مع قدراته الواقعية يسهم في دمجه اجتماعياً وإنتاجياً ويمنحه شعوراً بالقيمة والكرامة
وفي النهاية فإن النظرة الحديثة إلى التأخر العقلي لم تعد قائمة على الوصم أو التقليل من شأن الطفل بل على فهم علمي دقيق لاحتياجاته والعمل على تمكينه ضمن قدراته وإشراك الأسرة والمجتمع في دعمه ليكون فرداً فاعلاً بقدر ما تسمح به إمكاناته الطبيعية-بواسطة د. شربل باصيل-مجلة مرآة الغرب
