د.كمال توبة

يقول المثل الشعبي إذا ارتفع سعر الشعير بيرخص سعر الحمير ويبدو أن صاحب هذا المثل لم يكن فلاحًا

بسيطًا بقدر ما كان خبيرًا استراتيجيًا في شؤون المجتمعات الحديثة لأنه تنبأ بسوقٍ عجيب نعيش تفاصيله اليوم حيث ترتفع قيمة كل ما يفترض أنه غذاء للعقل والروح بينما تنخفض قيمة الكائن الذي يُفترض أنه يستفيد من هذا الغذاء فيتحول الشعير إلى مادة نادرة على الرفوف وتتحول الحمير إلى ظاهرة عامة على المنصات والمجالس والواجهات اللامعة ...

لسنا في زمن نقص الأفكار و المعرفة بل في زمن فائض الادعاء بالمعرفة التي هي موجودة والكتب متوفرة والعلماء لم ينقرضوا لكن المشكلة أن الناس تغيّرت وصارت تفضّل الصوت المرتفع على الفكرة الصادقة وهكذا لم يعد التفوق مسألة علم ومعرفة وثقافة بل مسألة إتقان الظهور ولم تعد القيمة بما يضيفه الإنسان إلى وعي الناس بل بعدد المرات التي يظهر فيها أمامهم حتى لو لم يضف سوى اجترار الكلام

في هذا العصر يكفي أن تتحدث على مواقع التواصل حتى لو لم تقل شيئًا مفيد بل ان تكرر نفسك بنبرة حماسية وصوت جهوري وعالي حتى تُصنّف صاحب رسالة وأن تملأ الفراغ بالكلمات حتى يظن السامع أن هناك معنى مختبئًا في مكان ما وربما سيصل لاحقًا أما الذي يفكر قبل أن يتكلم ويتردد لأنه يحترم من يسمعه فيُنظر إليه كأنه يعاني من ضعف في الفكر وقصور في العقل وهكذا يصبح الجاهل الواثق مشروع نجم بينما العارف المتواضع مشروع ظل ...

المشكلة ليست أن الانتهازية وعقدة حب الطهور موجودة فهي ضيف قديم في تاريخ البشر لكن الجديد أنها صارت صاحبة الدار وأصبحت الكلمة الفصل لها وأن الثقافة والفكر والعقل تريد إذن مسبق لكي تنبس ببنت شفه وأن الناس تعودوا المشهد حتى صار الاعتراض مبالغة والتعجب سذاجة والتفكير رفاهية غير ضرورية وهنا يتحول المجتمع إلى مسرح كبير يتقن فيه الجميع أداء الأدوار بينما ينسى أغلبهم لماذا صعدوا أصلًا إلى الخشبة ...و سنكتشف متأخرين كعادتنا أن المشكلة لم تكن يومًا في ارتفاع سعر الشعير بل في أننا اعتدنا طويلًا على كثرة عدد ال...