لن تكون العودة إلى الضيعة رحلةً عاديةً أبدًا ... بل ستتكون عودة القلب إلى نبضه الأول وقيامة الروح من رماد غيابٍ طويلٍ أثقلته الاحداث وأتعبته المسافات

كان غيابًا قسريًا فرضته بربرية  لا تطاق ومنافي صغيرة وكبيرة حتى بهتت الطرقات في ذاكرتي وكدت أنسى ملامحي وهي تركض طفلةً فوق حجارتها القديمة

هناك... عند تلك الزاوية المنسية من العالم حيث لا تزال الأرض تحفظ أسماءنا الأولى  كانت روحي معلقةً كشالٍ قديمٍ تركته أمي ذات صباح على حبل الغسيل في باحة الدار تنتظر أن يلامسها دفء الشمس من جديد

كل شيء في داخلي كان يشتاق... حتى صمتي كان يشتاق

الضيعة لم تعد كما تركتها... أو ربما أنا الذي لم أعد كما كنت ... في الغياب نكبر جميعًا، وتكبر معنا أوجاع الأشياء

البيوت القديمة التي كانت تفتح أبوابها للمارين بمحبةٍ لا تسأل عن الأسماء أصبحت في خبر كان... كأنها ركعت طويلًا تحت ثقل السنوات  تعانق الأرض وتشتكي إليها قسوة الزمن

أما الشرفات التي كانت تستلقي كل مساء على أنغام الميجانا والعتابا وكانت تصلّي بصمتٍ عجيب تبكي الان بلا دموع  وتنتظر أصواتًا رحلت ولم تعد...

هنا أدركت أن الضيعة لا تغادرنا يومًا نحن الذين نغادرها بأجسادنا فقط، أما أرواحنا فتظل عالقة بين أشجارها وبين صوت الديكة عند الفجر وبين الدخان المتصاعد من المواقد وبين الدعوات التي كانت الأمهات يخبئنها لنا في جيوب الغياب

اشعر أن الزمن كله انكمش فجأة وأن الطفل الذي كنتُه لم يمت، بل كان يجلس هناك منذ سنوات طويلة ينتظرني بصبر

أدركت أن الضيعة ليست بيوتًا ولا شوارع ولا أشجارًا فقط، بل هي الجزء الذي كلما ابتعدنا عنه عدنا نبحث عنه في آخر العمر

هي أمنا الثانية التي لا تعاتبنا مهما طال الغياب وتفتح ذراعيها كلما عدنا متعبين من صخب الحياة

وفي تلك اللحظة فهمت سر الحنين كله... لم أكن أنا من سيعود إلى الضيعة، بل كانت الضيعة هي التي ستعود لتسكنني من جديد ...