البدانة وزيادة الوزن
البدانة لم تعد مجرد مشكلة تتعلق بالمظهر الخارجي أو زيادة بسيطة في الوزن بل أصبحت واحدة من أة خطر التحديات الصحية التي تواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين وتحولت إلى وباء عالمي صامت يهدد صحة ملايين الأشخاص ويؤثر بصورة مباشرة على الأنظمة الصحية والاقتصادات الوطنية وجودة الحياة في مختلف المجتمعات وقد أظهرت الدراسات الحديثة أن أعداد المصابين بزيادة الوزن والسمنة تواصل الارتفاع بوتيرة مقلقة في معظم دول العالم نتيجة التغيرات الكبيرة التي طرأت على أنماط الحياة والعادات الغذائية ومستوى النشاط البدني
وتشير التقديرات الحديثة إلى أن أكثر من مليار شخص حول العالم يعيشون مع السمنة بينما يعاني مليارات آخرون من زيادة الوزن وهي حالة ترتبط بشكل مباشر بارتفاع مخاطر الإصابة بعشرات الأمراض المزمنة التي قد تؤدي إلى الوفاة المبكرة أو الإعاقة طويلة الأمد ولم تعد المشكلة مقتصرة على الدول الغنية كما كان يعتقد سابقاً بل أصبحت تمتد إلى الدول النامية التي تشهد تغيرات سريعة في أسلوب الحياة والاعتماد المتزايد على الأغذية المصنعة والوجبات السريعة
وتعد البدانة حالة مرضية معقدة تحدث نتيجة تراكم كميات زائدة من الدهون في الجسم بسبب اختلال التوازن بين كمية السعرات الحرارية التي يتناولها الإنسان والطاقة التي يستهلكها يومياً إلا أن الأمر لا يرتبط بالطعام وحده فهناك عوامل وراثية وهرمونية ونفسية واجتماعية واقتصادية تلعب دوراً مهماً في ظهور هذه المشكلة
ويستخدم مؤشر كتلة الجسم لتقييم الوزن الصحي حيث يتم حسابه من خلال قسمة الوزن بالكيلوغرام على مربع الطول بالمتر ويعتبر الشخص مصاباً بالسمنة عندما يصل المؤشر إلى ثلاثين أو أكثر إلا أن الأطباء يؤكدون اليوم أن توزيع الدهون داخل الجسم وخاصة تراكمها حول منطقة البطن يمثل عاملاً خطيراً حتى لدى الأشخاص الذين لا يظهرون بدناء بشكل واضح
وقد أثبتت الدراسات أن زيادة الوزن ترتبط بارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين وارتفاع ضغط الدم وداء السكري من النوع الثاني والجلطات الدماغية وتصلب الشرايين وأمراض الكبد الدهني واضطرابات التنفس أثناء النوم ومشكلات المفاصل والعظام والعقم واضطرابات الخصوبة إضافة إلى زيادة خطر الإصابة بعدد من أنواع السرطان مثل سرطان القولون والثدي والرحم والكبد والبنكرياس والكلى والمريء والغدة الدرقية
ولم تعد السمنة مشكلة تخص البالغين فقط بل أصبحت تهدد الأطفال بصورة متزايدة نتيجة الإفراط في استهلاك المشروبات المحلاة والوجبات السريعة وقلة النشاط البدني وقضاء ساعات طويلة أمام الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية وقد حذرت المؤسسات الصحية العالمية من أن الأجيال الجديدة قد تكون أول أجيال تعيش عمراً أقصر من آبائها بسبب الأمراض المرتبطة بالسمنة إذا استمرت هذه الاتجاهات الحالية
وتواجه بعض الدول العربية تحديات كبيرة في هذا المجال نتيجة تغير أنماط الحياة وقلة الحركة وزيادة الاعتماد على الأغذية الجاهزة عالية السعرات الحرارية وقد سجلت عدة دول نسباً مرتفعة من السمنة بين البالغين خصوصاً لدى النساء مما يستدعي تعزيز برامج الوقاية والتوعية الصحية منذ المراحل العمرية المبكرة
ومن أبرز الأسباب التي ساهمت في تفاقم المشكلة الانتشار الواسع للأطعمة فائقة التصنيع الغنية بالسكر والدهون والملح إلى جانب تراجع النشاط البدني والاعتماد المتزايد على وسائل النقل الحديثة والعمل المكتبي الطويل وقلة ساعات النوم والتوتر النفسي المزمن الذي يدفع كثيراً من الأشخاص إلى الإفراط في تناول الطعام
كما كشفت الأبحاث الحديثة أن قلة النوم تؤثر على الهرمونات المنظمة للشهية فتزداد الرغبة في تناول الأطعمة الغنية بالطاقة بينما يساهم التوتر والضغوط الحياتية في زيادة إفراز بعض الهرمونات التي تعزز تخزين الدهون داخل الجسم وخاصة في منطقة البطن
وأصبحت التكنولوجيا نفسها سلاحاً ذا حدين فهي من جهة ساهمت في زيادة الجلوس والخمول ومن جهة أخرى توفر اليوم أدوات متقدمة لمواجهة السمنة مثل الساعات الذكية وتطبيقات مراقبة النشاط البدني وبرامج التغذية الرقمية والذكاء الاصطناعي الذي يساعد على تصميم خطط غذائية شخصية تناسب احتياجات كل فرد
كما شهدت السنوات الأخيرة تطوراً كبيراً في العلاجات الطبية حيث ظهرت أدوية حديثة تساعد على تنظيم الشهية وتحسين السيطرة على الوزن تحت إشراف طبي متخصص إضافة إلى تطور جراحات السمنة التي أصبحت أكثر أماناً وفاعلية لدى بعض المرضى الذين يعانون من السمنة المفرطة ومضاعفاتها الخطيرة
إلا أن العلاج الحقيقي يبدأ بالوقاية لأن تغيير نمط الحياة يبقى الركيزة الأساسية لمواجهة هذا الوباء العالمي وذلك من خلال اتباع نظام غذائي متوازن والإكثار من تناول الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة والبروتينات الصحية وتقليل السكريات والمشروبات الغازية والوجبات السريعة مع ممارسة النشاط البدني لمدة لا تقل عن مئة وخمسين دقيقة أسبوعياً والحصول على نوم كاف والحد من التوتر النفسي
إن البدانة ليست مشكلة فردية بل قضية صحية واقتصادية واجتماعية عالمية تتطلب تعاون الحكومات والمدارس والأسر والمؤسسات الصحية ووسائل الإعلام لأن بناء مجتمعات أكثر صحة لا يبدأ داخل المستشفيات بل يبدأ داخل المنازل ومن على موائد الطعام وفي ساحات المدارس وأماكن العمل. ويبقى الاستثمار في الوقاية والتوعية الصحية أحد أهم القرارات التي يمكن أن تتخذها المجتمعات لحماية الأجيال القادمة وضمان مستقبل أكثر صحة وجودة للحياة لأن الحفاظ على الوزن الصحي لم يعد خياراً تجميلياً بل ضرورة أساسية للحفاظ على حياة الإنسان وسلامته ورفاهيته – د . ليلى فرحات -مركز جنى الطبي
