الإقلاع عن التدخين
التدخين ليس مجرد عادة يومية أو وسيلة مؤقتة لتخفيف التوتر كما يعتقد البعض، بل هو أحد أخطر التحديات الصحية التي تواجه البشرية في العصر الحديث لأنه يؤثر تدريجياً في جميع أعضاء الجسم تقريباً من دون استثناء فكل سيجارة تحتوي على آلاف المواد الكيميائية ومئات المواد السامة وعشرات المواد المسرطنة التي تدخل إلى الرئتين ثم تنتقل عبر مجرى الدم لتصل إلى القلب والدماغ والكبد والكلى والأوعية الدموية والجلد والعظام. والمقلق أكثر أن التدخين يبدأ غالباً في سن مبكرة حيث ينجذب المراهقون إليه بدافع الفضول أو التأثر بالأصدقاء أو تقليد المشاهير أو الاعتقاد الخاطئ بأنه يمنحهم شعوراً بالثقة والاستقلالية بينما الحقيقة أن النيكوتين من أكثر المواد المسببة للإدمان إذ يعيد برمجة مراكز المكافأة داخل الدماغ ويجعل الشخص يعتمد عليه نفسياً وجسدياً خلال فترة قصيرة وقد أثبتت الدراسات أن البدء بالتدخين في مرحلة المراهقة يزيد من صعوبة الإقلاع عنه مستقبلاً ويضاعف احتمالات الإصابة بالأمراض المزمنة في سن مبكرة.
ولا توجد كمية آمنة من التدخين فحتى عدد قليل من السجائر يومياً يسبب أضراراً تراكمية على القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي كما أن التدخين لا يؤذي المدخن وحده بل يؤذي كل من يعيش حوله فالدخان غير المباشر يعرض الأطفال والحوامل وكبار السن لمشكلات صحية خطيرة مثل التهابات الجهاز التنفسي والربو وأمراض القلب ومضاعفات الحمل. والخبر السار أن الجسم يمتلك قدرة مذهلة على التعافي بمجرد التوقف عن التدخين فبعد عشرين دقيقة فقط يبدأ ضغط الدم ومعدل ضربات القلب بالعودة تدريجياً إلى مستوياتهما الطبيعية وبعد أربع وعشرين ساعة يبدأ الجسم بالتخلص من بقايا أول أكسيد الكربون وبعد أسابيع تتحسن الدورة الدموية ويصبح التنفس أسهل وبعد أشهر تقل نوبات السعال ويزداد نشاط الرئتين، وبعد سنوات تنخفض مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية وسرطان الرئة بشكل كبير. ومن المهم تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة، فليس صحيحاً أن الإقلاع عن التدخين في عمر متقدم لا فائدة منه إذ تشير الأبحاث إلى أن التوقف عن التدخين في أي مرحلة عمرية يمنح فوائد صحية كبيرة ويضيف سنوات ثمينة إلى العمر المتوقع. كما أن السجائر الإلكترونية والنرجيلة ليستا بديلين آمنين كما يروج البعض فكلتاهما تعرضان الجهاز التنفسي والقلب لمواد ضارة وقد تؤديان إلى استمرار الإدمان على النيكوتين. وتبدأ رحلة الإقلاع الناجحة باتخاذ قرار واضح ومحدد وتحديد يوم ثابت للإقلاع خلال أسبوعين على الأكثر وعدم تأجيل القرار باستمرار. ومن المفيد جداً إجراء فحص طبي شامل للاطمئنان على صحة القلب والرئتين وقياس ضغط الدم ووظائف الجهاز التنفسي لأن رؤية التحسن بالأرقام تمنح الشخص حافزاً إضافياً للاستمرار وينصح بإخبار العائلة والأصدقاء بقرار الإقلاع لأن الدعم الاجتماعي يزيد بشكل كبير من فرص النجاح. كما يجب التخلص من جميع السجائر والولاعات والمنافض الموجودة في المنزل والسيارة ومكان العمل حتى لا تبقى محفزات بصرية تثير الرغبة في العودة إلى التدخين ومن المهم التعرف على المواقف التي تدفع الشخص إلى التدخين مثل شرب القهوة أو التوتر أو الجلوس مع بعض الأصدقاء أو استخدام الهاتف لفترات طويلة والعمل على استبدالها بعادات جديدة وصحية ويمكن عند الشعور بالرغبة الملحة بالتدخين اتباع قاعدة الدقائق الخمس أي تأجيل الاستجابة للرغبة لخمس دقائق مع القيام بنشاط آخر لأن موجة الرغبة عادة ما تنخفض تدريجياً خلال دقائق قليلة كما ينصح بشرب الماء بكثرة لأنه يساعد على ترطيب الجسم وتحسين الإحساس العام ويمكن تناول شرائح التفاح أو الجزر أو الخيار أو مضغ علكة خالية من السكر أو حمل حبات من اللوز والجوز بدلاً من اللجوء إلى السيجارة وتعتبر ممارسة المشي السريع لمدة ثلاثين دقيقة يومياً من أقوى الوسائل المساعدة لأنها تخفف التوتر وتحسن المزاج وتقلل أعراض الانسحاب. كما أن النوم الجيد ضروري جداً لأن التعب والإرهاق قد يزيدان من الرغبة في العودة إلى التدخين وينصح بتقليل استهلاك الكافيين في الأسابيع الأولى لأن الجسم يصبح أكثر حساسية له بعد التوقف عن النيكوتين ومن الطبيعي أن يشعر الشخص ببعض الأعراض المؤقتة مثل العصبية أو الصداع أو صعوبة التركيز أو اضطرابات النوم أو زيادة الشهية لكن هذه الأعراض ليست علامة ضعف بل دليل على أن الجسم والدماغ يبدآن مرحلة التعافي ومن الحكمة عدم الاعتماد على حلول غير مثبتة علمياً مثل الاعتقاد بأن بعض الزيوت أو الأعشاب تزيل الرغبة بالتدخين بصورة سحرية بل إن العلاج الأكثر فاعلية يعتمد على الإرادة والدعم السلوكي والاستفادة عند الحاجة من العلاجات الطبية المعتمدة مثل بدائل النيكوتين والأدوية التي يصفها الطبيب كما أن تدوين المكاسب اليومية يشكل وسيلة تحفيزية رائعة، فكل يوم يمر من دون تدخين يعني أموالاً موفرة وطاقة أكبر وتنفساً أفضل وحماية إضافية للقلب والرئتين. ويمكن وضع صور للعائلة والأطفال في الأماكن التي كانت مرتبطة بالتدخين لتذكير النفس بالهدف الحقيقي من الإقلاع. ومن الأفكار الجميلة أيضاً تحويل الأموال التي كانت تنفق على السجائر إلى صندوق ادخار خاص بالسفر أو الهوايات أو شراء شيء يحبه الإنسان لأن رؤية النتائج الملموسة تعزز الشعور بالإنجاز وفي النهاية يجب أن يدرك كل مدخن أن الإقلاع عن التدخين ليس حرماناً من متعة وإنما استعادة لحياة كانت تُستنزف ببطء وهو ليس معركة ليوم واحد بل رحلة متدرجة نحو صحة أفضل وتنفس أسهل وقلب أقوى وعمر أطول فكل سيجارة لا يتم تدخينها اليوم هي خطوة حقيقية نحو مستقبل أكثر صحة وراحة وحيوية وجودة حياة- مرأ ة الغرب
