إن الأمم لا تموت بالفقر ولا بالجهل  ولا بقلة الموارد بل جعل الأخلاق العمود الذي يحمل سقف الحضارة كلها فإذا تصدع العمود سقط البناء ولو بدا من الخارج متماسكًا

إن ما يثير القلق في عالمنا اليوم ليس قلة التكنولوجيا فما اكثرها ولا ندرة المعرفة بل الإفلاس الأخلاقي الذي يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية. أصبح الكذب يُسمى ذكاءً والغش مهارة والانتهازية شطارة والرشوة هدية والخيانة حرية شخصية والوقاحة جرأة والنفاق دبلوماسية والتخلي عن المبادئ مرونة حتى اختلطت المفاهيم وضاعت الحدود بين الفضيلة والرذيلة ...                                        

أصبح كثيرون يقيسون الإنسان بما يملك لا بما يحمل من قيم ...وبما يربحه لا بما يقدمه وبعدد متابعيه لا بصدق رسالته وبصورة يلتقطها لا بسيرة يتركها إنها مرحلة خطيرة يصبح فيها المظهر بديلاً عن الجوهر والصخب بديلاً عن الإنجاز والإعلان بديلاً عن الحقيقة ...                                   

ولعل أخطر ما أصاب مجتمعاتنا أن الفساد لم يعد يقتصر على المؤسسات بل تسلل إلى الضمائر فالفساد الحقيقي يبدأ حين يقتنع الإنسان أن الأخلاق رفاهية وأن النجاح لا يتحقق إلا بالتحايل وأن الشريف ساذج وأن الأمين خاسر وأن صاحب المبادئ يعيش خارج العصر...                                 

الأخلاق ليست فقط مجرد حسن المعاملة أو الابتسامة في الوجوه بل هي منظومة تبدأ من الأسرة وتمر بالمدرسة وتترسخ في الإعلام وتنعكس في الاقتصاد والسياسة والقضاء والإدارة. فالأمانة أخلاق وإتقان العمل أخلاق واحترام الوقت أخلاق والعدل أخلاق والرحمة أخلاق وحفظ المال العام أخلاق والصدق مع الناس أخلاق ...                                

يتحمل الإعلام، على وجه الخصوص مسؤولية كبرى في تشكيل الضمير العام فإذا تحول إلى منصة للشائعات أو تجارة بالمآسي أو وسيلة لتضليل العقول أسهم في هدم المجتمع أما الإعلام الصادق فيبني الوعي ويحمي الحقيقة ويغدو شريكًا في نهضة الأمة لا شاهدًا على سقوطها ...                            

 وقد صدق امير الشعراء أحمد شوقي حين قال:                                                                

 وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت                                                                                 
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا ...