توقّف التنفّس أثناء النوم... الخطر الصامت الذي يسرق الصحة وجودة الحياة                                 

قد يستيقظ بعض الأشخاص فجأة في منتصف الليل وهم يشعرون وكأنهم كانوا يغرقون أو يختنقون فيندفعون لالتقاط أنفاسهم ثم يعودون إلى النوم معتقدين أن الأمر عابر ولا يستحق الاهتمام إلا أن هذه الحالة قد تكون علامة على اضطراب طبي شائع يُعرف بتوقّف التنفّس أثناء النوم وهو اضطراب لا يقتصر تأثيره على ساعات النوم فحسب بل يمتد ليطال القلب والدماغ والذاكرة والهرمونات وسائر أعضاء الجسم حتى أصبح اليوم يُعدّ أحد أهم الأمراض التي تؤثر في الصحة العامة دون أن يدرك المصاب خطورته

يحدث توقّف التنفّس أثناء النوم عندما ينسد مجرى الهواء العلوي بصورة جزئية أو كاملة فتتوقف عملية دخول الهواء إلى الرئتين لعدة ثوانٍ قد تمتد أحيانًا إلى أكثر من نصف دقيقة وتتكرر هذه النوبات عشرات أو حتى مئات المرات خلال الليلة الواحدة وعندما ينخفض مستوى الأكسجين في الدم يرسل الدماغ إشارات إنذار توقظ الشخص لثوانٍ معدودة كي يستعيد التنفس وغالبًا لا يتذكر المريض هذه الاستيقاظات المتكررة لكنه يستيقظ صباحًا مرهقًا وكأنه لم ينم مطلقًا

ويذكر اطباء الأنف والأذن والحنجرة إلى أن السبب الدقيق للإصابة بهذا الاضطراب قد يختلف من شخص إلى آخر إلا أن السمنة تُعدّ من أهم عوامل الخطورة إذ تؤدي زيادة الدهون حول الرقبة والبلعوم إلى تضييق المجرى الهوائي أثناء النوم كما أن تناول المشروبات الكحولية وبعض الأدوية المهدئة أو المسكنات يسبب ارتخاء عضلات الحلق مما يزيد من احتمال انسداد مجرى الهواء  كذلك تساهم التدخين  وانحراف الحاجز الأنفي  وتضخم اللوزتين أو اللحمية  وكبر حجم اللسان  وتشوهات الفك  والتقدم في العمر  والعوامل الوراثية في زيادة احتمالية الإصابة

ويُعدّ الشخير المرتفع والمستمر من أشهر العلامات لكنه ليس العرض الوحيد فالكثير من المرضى يعانون من الاستيقاظ المفاجئ مع الشعور بالاختناق وجفاف الفم صباحًا والصداع عند الاستيقاظ وكثرة التبول أثناء الليل وصعوبة التركيز وضعف الذاكرة وتقلب المزاج والعصبية والنعاس الشديد خلال النهار وقد يصل الأمر إلى النوم أثناء قيادة السيارة أو أثناء العمل مما يزيد من احتمالية الحوادث والإصابات  كما يلاحظ بعض الأزواج أن المريض يتوقف عن التنفس عدة مرات أثناء النوم قبل أن يعود للتنفس بصوت مرتفع أو شهقة قوية  وهذه من أهم العلامات التي تستوجب مراجعة الطبيب

وتشير الدراسات إلى أن الرجال أكثر عرضة للإصابة من النساء خاصة في منتصف العمر إلا أن نسبة الإصابة عند النساء ترتفع بعد انقطاع الطمث بسبب التغيرات الهرمونية كما أن الأطفال ليسوا بمنأى عن هذا الاضطراب إذ قد يصابون به نتيجة تضخم اللوزتين أو اللحمية ويظهر لديهم على شكل شخير أو نوم مضطرب أو فرط حركة وضعف في التحصيل الدراسي

ولا تقتصر خطورة توقف التنفس أثناء النوم على الإزعاج الليلي بل تمتد إلى مضاعفات صحية قد تكون شديدة الخطورة إذا تُركت دون تشخيص أو علاج  فكل مرة ينخفض فيها مستوى الأكسجين يرتفع ضغط الدم ويزداد العبء على القلب والأوعية الدموية  مما يرفع خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم المزمن  واضطرابات نبض القلب  والذبحة الصدرية  وفشل القلب  والسكتة الدماغية  والجلطات  كما يرتبط هذا الاضطراب بزيادة مقاومة الجسم للأنسولين  وبالتالي ارتفاع احتمال الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني  إضافة إلى ضعف المناعة  واضطرابات الذاكرة  والاكتئاب  والقلق  وانخفاض القدرة الذهنية والإنتاجية  وتراجع الرغبة الجنسية  والشعور المستمر بالإرهاق -بواسطة زكية الدمنهوري

ويتم تشخيص الحالة عادة من خلال التاريخ المرضي والفحص السريري وقد يطلب الطبيب إجراء دراسة للنوم وهي فحص يقيس التنفس ونبض القلب ومستوى الأكسجين وحركة الصدر ونشاط الدماغ أثناء النوم ويُعد هذا الفحص المعيار الذهبي لتحديد شدة المرض واختيار العلاج المناسب لكل حالة

أما العلاج فيعتمد على السبب ودرجة شدة الحالة ففي المراحل الخفيفة قد يكون فقدان الوزن وممارسة الرياضة بانتظام والتوقف عن التدخين والامتناع عن الكحول والمهدئات والنوم على أحد الجانبين بدلًا من الاستلقاء على الظهر كافيًا لتحسين الأعراض بصورة ملحوظة. وفي الحالات المتوسطة والشديدة يُعتبر جهاز الضغط الهوائي الإيجابي المستمر

 (CPAP)

العلاج الأكثر فعالية إذ يحافظ على بقاء مجرى الهواء مفتوحًا طوال فترة النوم  مما يمنع انقطاع التنفس ويحسن جودة النوم ويقلل بشكل كبير من المضاعفات القلبية والدماغية

وفي بعض الحالات قد تكون الأجهزة الفموية التي يصفها طبيب الأسنان المتخصص مفيدة خاصة لمن يعانون من انحسار الفك السفلي  بينما قد يحتاج آخرون إلى تدخل جراحي لتصحيح التشوهات التشريحية أو إزالة تضخم اللوزتين أو اللحمية أو تعديل الحاجز الأنفي أو توسيع مجرى الهواء  وقد ساهم التطور في الجراحات الدقيقة والروبوتية في جعل هذه العمليات أكثر أمانًا  مع تقليل الألم والالتهابات وفترة التعافي مقارنة بالطرق التقليدية  إلا أن اختيار الجراحة يجب أن يكون بعد تقييم دقيق من فريق طبي متخصص  لأنها ليست الحل المناسب لجميع المرضى

وللوقاية من هذا الاضطراب أو الحد من شدته ينصح الأطباء بالحفاظ على وزن صحي وممارسة النشاط البدني بانتظام، وتجنب الوجبات الثقيلة قبل النوم والامتناع عن التدخين والكحول والحصول على ساعات نوم كافية ومنتظمة وعلاج أمراض الأنف والجيوب الأنفية التي تعيق التنفس وعدم تناول المهدئات أو المنومات إلا بوصفة طبية ومراجعة الطبيب عند استمرار الشخير أو الشعور بالاختناق الليلي أو النعاس النهاري المفرط

إن تجاهل توقف التنفس أثناء النوم قد يحوّل النوم الذي خُلق ليكون مصدرًا للراحة وتجديد الطاقة إلى عامل يستنزف صحة الإنسان بصمت وكلما كان التشخيص مبكرًا والعلاج مناسبًا ازدادت فرص استعادة نوم هادئ وحياة أكثر نشاطًا وصحة وتراجعت مخاطر الأمراض الخطيرة التي قد يسببها هذا الاضطراب مع مرور الوقت لذلك فإن الشخير الشديد أو الاختناق أثناء النوم ليسا مجرد ظاهرة مزعجة بل قد يكونان رسالة إنذار من الجسم تستحق الإصغاء والاستجابة قبل أن تتحول إلى مشكلة تهدد القلب والدماغ وسلامة الإنسان