أخطاء شائعة قد ترتكبها الأمهات عند علاج ارتفاع حرارة الأطفال... وما الذي يجب فعله؟
يُعد ارتفاع درجة الحرارة من أكثر الأسباب التي تدفع الأهل إلى القلق إلا أن الحمى في معظم الحالات ليست مرضاً بحد ذاتها وإنما هي وسيلة دفاع طبيعية يستخدمها الجسم لمقاومة الفيروسات أو البكتيريا لذلك فإن الهدف من العلاج ليس خفض الرقم الظاهر على ميزان الحرارة فقط بل مراقبة حالة الطفل العامة ومعرفة السبب الحقيقي للحمى لأن الطفل الذي يلعب ويشرب السوائل ويتفاعل مع من حوله رغم ارتفاع حرارته يختلف تماماً عن طفل تبدو عليه علامات الخمول أو صعوبة التنفس أو اضطراب الوعي حتى لو كانت درجة حرارته أقل
يُعتبر الطفل مصاباً بالحمى عندما تبلغ درجة حرارة جسمه 38 درجة مئوية أو أكثر عند القياس الشرجي بينما تُعد الحرارة المرتفعة جداً عندما تتجاوز 40 درجة مئوية ومع ذلك فإن ارتفاع الحرارة لا يعكس دائماً شدة المرض فقد تسبب نزلة فيروسية بسيطة حرارة مرتفعة في حين قد يصاحب بعض الأمراض الخطيرة ارتفاع بسيط فقط ولذلك يجب دائماً تقييم الطفل ككل وليس الاعتماد على رقم الحرارة وحده
ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن تقوم الأم بلمس جبين الطفل أو يديه لتقدير حرارته فهذه الطريقة غير دقيقة إطلاقاً وقد تعطي انطباعاً خاطئاً والطريقة الأفضل لقياس الحرارة تعتمد على عمر الطفل فالقياس الشرجي هو الأكثر دقة عند الرضع بينما يعد القياس بواسطة ميزان الحرارة الإلكتروني في الأذن أو الجبهة من الوسائل السريعة والعملية إذا استُخدمت بالطريقة الصحيحة مع التأكد من نظافة الأذن وعدم وجود شمع قد يؤثر في القراءة أما القياس تحت الإبط فهو أقل دقة ويمكن استخدامه كوسيلة أولية بينما يحتاج القياس عن طريق الفم إلى تعاون الطفل ويُفضّل للأطفال الأكبر سناً
ومن الأخطاء التي تزيد قلق الأهل الاعتقاد بأن الحرارة نفسها قد تؤدي إلى تلف الدماغ أو الشلل أو فقدان السمع والحقيقة أن هذه المضاعفات لا تنتج عن الحمى بحد ذاتها وإنما قد تحدث نتيجة بعض الأمراض الخطيرة المسببة لها مثل التهاب السحايا أو التهاب الدماغ إذا لم تُشخّص وتُعالج مبكراً أما الحمى الناتجة عن الالتهابات الفيروسية الشائعة فهي غالباً ما تزول خلال أيام قليلة مع العلاج الداعم
وتشمل أكثر أسباب ارتفاع الحرارة عند الأطفال التهابات الجهاز التنفسي العلوي مثل الزكام والإنفلونزا والتهاب الحلق والتهاب الأذن الوسطى إضافة إلى التهابات الجهاز البولي وأحياناً بعض الأمراض البكتيرية التي تحتاج إلى تقييم طبي سريع لذلك ينبغي ملاحظة الأعراض المصاحبة مثل السعال أو الرشح أو القيء أو الإسهال أو صعوبة التبول أو الطفح الجلدي لأنها تساعد الطبيب على تحديد السبب
ويُعد إعطاء جرعة غير صحيحة من خافض الحرارة من أكثر الأخطاء انتشاراً إذ يجب أن تُحسب الجرعة دائماً حسب وزن الطفل وليس حسب عمره ويُعد الباراسيتامول الخيار الأول في معظم الحالات وتبلغ جرعته من 10 إلى 15 ملغ لكل كيلوغرام من وزن الطفل كل أربع إلى ست ساعات عند الحاجة مع عدم تجاوز الحد الأقصى اليومي الموصى به. أما الآيبوبروفين فيمكن استخدامه للأطفال الذين تجاوزوا عمر ثلاثة أشهر ويزنون أكثر من خمسة كيلوغرامات بجرعة 5 إلى 10 ملغ لكل كيلوغرام كل ست إلى ثماني ساعات ويُفضّل تجنبه إذا كان الطفل يعاني من الجفاف أو القيء المستمر أو أمراض الكلى أو قرحة المعدة
ولا يُنصح بإعطاء المضادات الحيوية لمجرد وجود الحمى لأن معظم حالات ارتفاع الحرارة عند الأطفال سببها فيروسات لا تستجيب للمضادات الحيوية كما أن الاستخدام العشوائي لهذه الأدوية يؤدي إلى مقاومة البكتيريا للمضادات ويزيد من احتمال حدوث آثار جانبية غير ضرورية
ومن الأخطاء القديمة التي ما زال بعض الأهالي يمارسونها استخدام الكحول أو الماء شديد البرودة أو الثلج لخفض الحرارة وهي وسائل قد تضر الطفل أكثر مما تنفع إذ تسبب انقباض الأوعية الدموية وارتجاف الجسم مما قد يؤدي إلى ارتفاع الحرارة الداخلية بدلاً من خفضها كما أن امتصاص الكحول عبر الجلد أو استنشاقه قد يسبب تسمماً عند الأطفال الصغار والأفضل استخدام ماء فاتر إذا كان الطفل منزعجاً من الحرارة مع تجنب إجباره على الاستحمام إذا كان يشعر بالقشعريرة
كما يعتقد بعض الأهل أن تغطية الطفل بعدة بطانيات تساعده على التعرق والتخلص من الحمى بينما يؤدي ذلك غالباً إلى احتباس الحرارة وارتفاعها أكثر لذلك يُنصح بإلباس الطفل ملابس قطنية خفيفة والمحافظة على درجة حرارة معتدلة في الغرفة وتشجيعه على شرب الماء والحليب أو محاليل الإماهة الفموية بحسب عمره لتجنب الجفاف لأن فقدان السوائل يزداد مع ارتفاع الحرارة
ويُمنع إعطاء الأسبرين للأطفال أو المراهقين المصابين بالحمى بسبب ارتباطه بمتلازمة راي وهي حالة نادرة لكنها خطيرة قد تؤثر في الدماغ والكبد
وقد يتعرض نحو 2 إلى 5 بالمئة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر وخمس سنوات للتشنج الحراري خاصة إذا كان هناك تاريخ عائلي للإصابة به وعلى الرغم من أن منظر التشنج يثير الخوف فإنه في معظم الحالات يكون قصيراً ولا يسبب تلفاً دائماً في الدماغ وإذا حدث التشنج فيجب وضع الطفل على جانبه وعدم وضع أي شيء داخل فمه وعدم محاولة تقييد حركته وطلب المساعدة الطبية فوراً خاصة إذا استمر التشنج أكثر من خمس دقائق أو تكرر خلال اليوم نفسه
وهناك علامات تستدعي مراجعة الطبيب أو قسم الطوارئ دون تأخير أهمها إصابة طفل عمره أقل من ثلاثة أشهر بحمى تبلغ 38 درجة مئوية أو أكثر أو استمرار الحرارة عدة أيام دون تحسن أو صعوبة التنفس أو ازرقاق الشفاه أو الخمول الشديد وعدم القدرة على إيقاظ الطفل بسهولة أو تشنجات أو تيبس الرقبة أو طفح جلدي بنفسجي لا يختفي عند الضغط عليه أو رفض الرضاعة تماماً أو علامات الجفاف مثل قلة البول وجفاف الفم والبكاء دون دموع أو القيء المتكرر أو وجود أمراض مزمنة أو ضعف في المناعة
ومن المهم أن تتذكر الأم أن نجاح علاج الحمى لا يُقاس بانخفاض الحرارة إلى المستوى الطبيعي مباشرة بل بتحسن راحة الطفل ونشاطه وقدرته على الشرب والنوم فالحمى قد تعود مرة أخرى بعد انتهاء مفعول الدواء إذا كان سببها ما يزال موجوداً وهذا أمر متوقع ولا يعني فشل العلاج
وأخيراً فإن أفضل وسيلة لحماية الأطفال من الأمراض المسببة للحمى هي الالتزام بجدول اللقاحات وغسل اليدين بانتظام وتجنب مخالطة المرضى والمحافظة على التغذية الجيدة والنوم الكافي مع استشارة الطبيب عند ظهور أي أعراض غير معتادة وتبقى القاعدة الذهبية التي ينصح بها أطباء الأطفال هي: عالج الطفل وليس رقم الحرارة وراقب حالته العامة ولا تتردد في طلب المشورة الطبية عند ظهور أي علامة تدعو للقلق فالتشخيص المبكر هو أفضل وسيلة للوقاية من المضاعفات – د. كمال توبة
