د. ليلى فرحات
ارتفاع ضغط الدم (Hypertension)
يُصنف ارتفاع ضغط الدم من أكثر الأمراض المزمنة انتشارًا في العالم، ويُطلق عليه الأطباء لقب
القاتل الصامت
لأنه قد يستمر سنوات طويلة دون أن يسبب أي أعراض واضحة بينما يكون في الوقت نفسه يُحدث أضرارًا تدريجية في القلب والدماغ والكليتين والعينين والأوعية الدموية. وتشير الإحصاءات الحديثة إلى أن ما يزيد على مليار شخص حول العالم يعانون من ارتفاع ضغط الدم، وأن نسبة كبيرة منهم لا تعلم بإصابتها، بينما لا يصل كثير ممن يتلقون العلاج إلى السيطرة المثالية على ضغط الدم. ويُعد ضغط الدم
الطبيعي عند معظم البالغين أقل من 120/80 اما اذا استمر عند 140/90 او اكثر
في القياسات المتكررة داخل العيادة، أو وفق المعايير الحديثة عند بعض الفئات عالية الخطورة فإن ذلك يستدعي تقييمًا طبيًا دقيقًا ووضع خطة علاجية مناسبة لأن الهدف ليس خفض الرقم فقط، بل حماية أعضاء الجسم الحيوية من التلف على المدى البعيد
ينقسم ارتفاع ضغط الدم إلى نوعين رئيسيين، الأول هو ارتفاع الضغط الأولي أو الأساسي وهو يشكل ما يقارب 90 إلى 95 بالمائة من الحالات ولا يوجد سبب واحد مباشر له، بل ينتج عن تداخل عوامل متعددة تشمل الاستعداد الوراثي والتقدم في العمر والسمنة وقلة النشاط البدني والإفراط في تناول الملح والتوتر النفسي المزمن واضطرابات النوم والتدخين والإفراط في تناول الكحول إضافة إلى بعض العوامل البيئية ونمط الحياة الحديث. أما النوع الثاني فهو ارتفاع الضغط الثانوي ويشكل نحو خمسة إلى عشرة بالمائة من الحالات وينجم عن أمراض محددة مثل أمراض الكلى المزمنة، وتضيق الشريان الكلوي وبعض أمراض الغدد الصماء كزيادة إفراز هرمون الألدوستيرون أو اضطرابات الغدة الدرقية أو أورام الغدة الكظرية كما قد يحدث بسبب انقطاع النفس أثناء النوم أو نتيجة استعمال بعض الأدوية مثل الكورتيزون وبعض حبوب منع الحمل ومضادات الالتهاب وبعض أدوية الاحتقان والمنشطات. وهناك أيضًا ما يُعرف بارتفاع ضغط داخل العيادة أو "رهاب المعطف الأبيض" حيث ترتفع القراءة عند زيارة الطبيب بسبب التوتر، بينما تكون في المنزل وفي المقابل يوجد ارتفاع ضغط الدم المقنع الذي تبدو فيه القراءات طبيعية داخل العيادة لكنها مرتفعة خارجها ولذلك أصبحت أجهزة قياس الضغط المنزلية والمراقبة المستمرة لمدة أربع وعشرين ساعة وسائل مهمة للوصول إلى التشخيص الصحيح
تكمن خطورة المرض في أنه غالبًا لا يسبب أي أعراض ولهذا يُكتشف في كثير من الأحيان صدفة أثناء فحص دوري أو قبل إجراء عملية جراحية أو عند مراجعة الطبيب لسبب آخر. وعندما تظهر الأعراض فإنها قد تشمل صداعًا شديدًا خاصة في مؤخرة الرأس ودوخة أو شعورًا بعدم الاتزان وتشوشا في الرؤية وطنينا في الأذنين وخفقانًا في القلب وضيقًا في التنفس ونزيفًا من الأنف وإجهادًا عامًا وقد يظهر تورم في الساقين عند بعض المرضى إلا أن غياب الأعراض لا يعني أن المرض غير موجود، فارتفاع الضغط قد يستمر سنوات وهو يهاجم الشرايين بصمت
يزداد احتمال الإصابة بارتفاع ضغط الدم مع التقدم في العمر وخاصة بعد سن الأربعين ويكون أكثر شيوعًا عند الرجال في الأعمار الأصغر بينما ترتفع نسبته بين النساء بعد انقطاع الطمث بسبب التغيرات الهرمونية. كما تلعب السمنة وزيادة محيط الخصر والإفراط في تناول الملح والأطعمة المصنعة وقلة تناول الخضراوات والفواكه والخمول البدني والتوتر المزمن وقلة النوم والتدخين وداء السكري وارتفاع الكوليسترول والتاريخ العائلي وأمراض الكلى، دورًا مهمًا في زيادة خطر الإصابة
ويعتمد التشخيص على قياس ضغط الدم بطريقة صحيحة بعد راحة لا تقل عن خمس دقائق مع تجنب التدخين أو شرب القهوة أو ممارسة الرياضة قبل القياس بنصف ساعة واستخدام كفة مناسبة لحجم الذراع وإجراء أكثر من قراءة في أكثر من زيارة إذا لم تكن الحالة طارئة ولا يقتصر التقييم على قياس الضغط فقط، بل يشمل أخذ التاريخ المرضي الكامل والفحص السريري وتحاليل الدم لقياس السكر والكوليسترول ووظائف الكلى والأملاح وتحليل البول وتخطيط القلب وقد يلزم إجراء تصوير للقلب بالموجات فوق الصوتية أو فحوص إضافية إذا اشتبه الطبيب بوجود سبب ثانوي لارتفاع الضغط
أما المضاعفات فهي كثيرة وخطيرة إذا تُرك المرض دون علاج إذ يؤدي إلى تضخم عضلة القلب ثم ضعفها مع مرور الوقت ويزيد احتمال الإصابة بالذبحة الصدرية واحتشاء عضلة القلب وفشل القلب كما يعد من أهم أسباب السكتة الدماغية والنزيف الدماغي والخرف الوعائي ويسبب تلفًا تدريجيًا في الكليتين قد يصل إلى الفشل الكلوي ويؤدي إلى اعتلال شبكية العين وضعف البصر كما يسرع من تصلب الشرايين ويزيد احتمال تمدد الشريان الأبهر وتمزقه إضافة إلى تأثيره السلبي في الدورة الدموية للأطراف والقدرة الجنسية عند بعض المرضى
ويرتكز العلاج على تغيير نمط الحياة قبل كل شيء لأن نجاح الدواء وحده يبقى محدودًا إذا استمرت العادات غير الصحية. ويأتي في مقدمة النصائح تقليل استهلاك الملح إلى أقل من خمسة غرامات يوميًا، والابتعاد عن الأغذية المصنعة والمعلبة والوجبات السريعة الغنية بالصوديوم، والإكثار من تناول الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات والأسماك واتباع نظام غذائي متوازن مع الحد من الدهون المشبعة والسكريات والمشروبات الغازية والمحافظة على وزن صحي فحتى خسارة خمسة إلى عشرة بالمائة من الوزن قد تؤدي إلى انخفاض ملحوظ في ضغط الدم. كما يُنصح بممارسة نشاط بدني معتدل لمدة لا تقل عن مئة وخمسين دقيقة أسبوعيًا مثل المشي السريع أو السباحة أو ركوب الدراجة مع تجنب الجلوس لساعات طويلة دون حركة والامتناع الكامل عن التدخين والحد من تناول الكحول والنوم الكافي من سبع إلى ثماني ساعات يوميًا وتعلم وسائل التحكم بالتوتر مثل تمارين التنفس العميق والتأمل والاسترخاء، لأن الصحة النفسية تنعكس مباشرة على استقرار ضغط الدم
أما العلاج الدوائي فيُحدد حسب عمر المريض وحالته الصحية ووجود أمراض أخرى مثل السكري أو أمراض الكلى أو القلب ويشمل مجموعات دوائية متعددة مثل مدرات البول ومثبطات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين، وحاصرات مستقبلات الأنجيوتنسين، وحاصرات قنوات الكالسيوم وحاصرات بيتا في الحالات المناسبة وقد يحتاج بعض المرضى إلى أكثر من دواء للوصول إلى الهدف المطلوب. ومن المهم جدًا عدم إيقاف العلاج أو تعديل الجرعة دون استشارة الطبيب حتى لو أصبحت قراءات الضغط طبيعية لأن استقرار الضغط غالبًا يكون نتيجة نجاح العلاج وليس شفاء المرض نهائيًا
ومن النصائح المهمة التي ينبغي أن يتحول العمل بها إلى أسلوب حياة دائم قياس ضغط الدم في المنزل بانتظام وتسجيل القراءات لعرضها على الطبيب وإجراء فحص دوري للكلى والقلب والعينين ومعالجة ارتفاع الكوليسترول والسكري إن وجدا والالتزام بمواعيد المتابعة الطبية والابتعاد عن الوصفات الشعبية أو الأعشاب التي يُروَّج لها على أنها بديل للعلاج لأنها قد تتداخل مع الأدوية أو تسبب مضاعفات خطيرة. كما يجب مراجعة قسم الطوارئ فورًا إذا ارتفع ضغط الدم بشكل شديد وترافق مع ألم في الصدر أو ضيق شديد في التنفس، أو ضعف مفاجئ في أحد الأطراف، أو اضطراب في الكلام أو الرؤية أو صداع عنيف غير معتاد لأن هذه الأعراض قد تشير إلى حالة إسعافية تستوجب علاجًا فوريًا إن الوقاية والكشف المبكر والالتزام بالعلاج وتبني نمط حياة صحي تظل الركائز الأساسية للحد من مضاعفات هذا المرض وحماية القلب والدماغ والكليتين فارتفاع ضغط الدم ليس حكمًا بالإعاقة أو الوفاة إذا أُحسن التعامل معه بل هو مرض يمكن السيطرة عليه والعيش معه حياة طبيعية ومنتجة لسنوات طويلة
