إكليل الجبل (الروزماري)
يعد إكليل الجبل أو الروزماري
من أشهر النباتات الطبية والعطرية في العالم وينتمي إلى الفصيلة الشفوية وهو نبات خشبي معمر دائم الخضرة يتميز بأوراقه الإبرية الضيقة ذات اللون الأخضر الداكن اللامع من الأعلى والمكسوة بزغب أبيض فضي من الأسفل وتفوح منه رائحة عطرية تشبه رائحة الصنوبر ويزهر بأزهار زرقاء أو بنفسجية أو بيضاء في فصل الربيع والصيف وينمو طبيعياً في مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط ثم انتشر إلى معظم أنحاء العالم ويستعمل منذ آلاف السنين في الطب الشعبي والطهي وصناعة العطور ومستحضرات التجميل
ويحتوي إكليل الجبل على مجموعة كبيرة من المركبات الفعالة أهمها حمض الروزمارينيك وحمض الكارنوسيك والكارنوسول والفلافونويدات والزيوت الطيارة مثل السينيول والكافور والبورنيول والألفا بينين وهي مركبات تتميز بخصائصها المضادة للأكسدة والالتهابات والتي جعلت هذا النبات محط اهتمام الباحثين في العقود الأخيرة
ويستخدم الروزماري على نطاق واسع كتوابل طبيعية تضفي نكهة مميزة على اللحوم والدجاج والأسماك والخضراوات والخبز كما يدخل في صناعة الزيوت العطرية وبعض الصناعات الغذائية حيث تساعد مضادات الأكسدة الطبيعية الموجودة فيه على الحد من أكسدة الدهون وإبطاء فساد بعض المنتجات الغذائية ولذلك استعمله الإنسان منذ العصور القديمة للمساعدة في حفظ اللحوم قبل ظهور وسائل التبريد الحديثة كما أن مستخلصاته الطبيعية تدخل اليوم في الصناعات الغذائية كمادة حافظة طبيعية في بعض المنتجات
ويشتهر إكليل الجبل بدوره في دعم صحة الدماغ إذ تشير العديد من الدراسات إلى أن مركباته المضادة للأكسدة قد تساعد على حماية الخلايا العصبية من الإجهاد التأكسدي كما تشير بعض الأبحاث إلى أن استنشاق رائحته أو تناوله باعتدال قد يحسن الانتباه وسرعة الاستجابة والتركيز لدى بعض الأشخاص إلا أن الأدلة العلمية الحالية لا تثبت أنه يعالج مرض الزهايمر أو يمنع الإصابة به بصورة مؤكدة وإنما تقتصر النتائج على احتمال مساهمته في دعم وظائف الدماغ ضمن نمط حياة صحي
كما يساعد الروزماري على تحسين عملية الهضم وتخفيف الانتفاخ والغازات والشعور بالامتلاء بعد الطعام ويحفز إفراز العصارات الهضمية وقد يساهم في تخفيف تقلصات الجهاز الهضمي عند بعض الأشخاص ولذلك يدخل في كثير من خلطات الأعشاب الهاضمة ويستعمل تقليدياً لتخفيف الشعور بالغثيان وعسر الهضم
وتشير الدراسات المخبرية إلى أن مستخلصات إكليل الجبل تمتلك نشاطاً مضاداً لبعض أنواع البكتيريا والفطريات بفضل احتوائها على مركبات فينولية وزيوت طيارة إلا أن ذلك لا يعني أنه يغني عن المضادات الحيوية عند وجود عدوى تستدعي العلاج الطبي بل يمكن اعتباره عاملاً مساعداً ضمن الاستخدامات التقليدية
ويستعمل منقوع إكليل الجبل أو غرغرة مستخلصه للمساعدة في تخفيف التهاب اللثة والحلق ورائحة الفم غير المستحبة لما يتمتع به من خصائص مطهرة ومضادة للالتهاب كما يدخل في صناعة كثير من غسولات الفم الطبيعية
أما بالنسبة لصحة الشعر فقد أصبح الروزماري من أكثر النباتات استخداماً في مستحضرات العناية بالشعر وتشير دراسات حديثة إلى أن زيت إكليل الجبل قد يساعد عند استعماله بانتظام ولفترات طويلة على تحسين كثافة الشعر وتقليل تساقطه لدى بعض الأشخاص المصابين بالصلع الوراثي بدرجة تقارب بعض العلاجات الموضعية المعروفة مع احتمال أقل لحدوث الحكة أو تهيج فروة الرأس إلا أن النتائج تحتاج إلى الاستمرار في الاستخدام لعدة أشهر ولا تظهر لدى جميع الأشخاص بنفس الدرجة
كما يدخل زيت الروزماري في جلسات التدليك لتخفيف الشعور بإرهاق العضلات وتحسين الإحساس بالاسترخاء بعد المجهود البدني وقد يساهم في تنشيط الدورة الدموية السطحية عند تدليك الجلد به بعد تخفيفه بزيت ناقل مناسب ولا ينبغي وضع الزيت المركز مباشرة على الجلد لأنه قد يسبب التهيج
وتشير الأبحاث إلى أن المركبات المضادة للأكسدة الموجودة في الروزماري قد تساعد على تقليل الالتهابات المزمنة والحد من تأثير الجذور الحرة التي ترتبط بالشيخوخة وأمراض القلب وبعض أنواع السرطان إلا أن هذه النتائج لا تعني أن النبات يعالج الأورام أو يمنعها بصورة مؤكدة وما زالت الدراسات السريرية مستمرة للوصول إلى نتائج نهائية
كما يدرس العلماء تأثير مستخلصات إكليل الجبل في تنظيم مستويات السكر في الدم وتحسين حساسية الخلايا للأنسولين وخفض مستويات الكوليسترول الضار والدهون الثلاثية في بعض الدراسات الأولية إلا أن هذه النتائج لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات البشرية قبل اعتمادها كوسيلة علاجية
ويدخل الروزماري في صناعة الكريمات ومستحضرات العناية بالبشرة لما يتمتع به من خصائص مضادة للأكسدة وقد يساعد في حماية الجلد من تأثير العوامل البيئية وتقليل الالتهابات البسيطة كما يمنح البشرة والشعر رائحة عطرية طبيعية محببة
ويعد شاي إكليل الجبل من المشروبات العشبية الشائعة ويحضر بإضافة ملعقة صغيرة من الأوراق المجففة إلى كوب من الماء الساخن وتركه من خمس إلى عشر دقائق ثم تصفيته ويمكن شرب كوب إلى كوبين يومياً باعتدال ضمن نظام غذائي متوازن
ورغم فوائده الصحية العديدة فإن استعمال الروزماري يجب أن يكون باعتدال لأن الإفراط في تناوله أو استعمال زيته المركز قد يسبب اضطرابات هضمية أو تهيجاً جلدياً وقد يؤدي الزيت العطري المركز إلى حدوث نوبات تشنج عند استعماله بكميات كبيرة لذلك لا ينصح بتناوله داخلياً دون إشراف طبي كما ينبغي على النساء الحوامل تجنب الجرعات العلاجية العالية أو الزيوت المركزة لعدم توافر أدلة كافية على سلامتها كما ينصح مرضى الصرع ومرضى الحساسية للنباتات العطرية باستشارة الطبيب قبل استعماله وينبغي على المرضى الذين يتناولون مميعات الدم أو أدوية الضغط أو السكري أو مدرات البول إبلاغ الطبيب قبل استخدامه بانتظام لاحتمال حدوث تداخلات دوائية
ويبقى إكليل الجبل من أكثر النباتات الطبية قيمة لما يجمعه من فوائد غذائية وعطرية وصحية فهو يضفي نكهة مميزة على الطعام ويزود الجسم بمركبات نباتية فعالة مضادة للأكسدة وقد يساهم ضمن نمط حياة صحي في دعم صحة الدماغ والقلب والجهاز الهضمي والشعر والبشرة إلا أن الاستفادة الحقيقية منه تكون باعتدال ومن دون اعتباره بديلاً عن العلاج الطبي عند الإصابة بالأمراض المزمنة أو الخطيرة فالطب الحديث يؤكد أن الأعشاب الطبية هي وسائل مساعدة وليست علاجاً سحرياً وأن أفضل النتائج تتحقق عندما تستخدم وفق الأدلة العلمية وتحت إشراف المختصين- بواسطة نيرمين الصايغ
