الوراثة وداء الأمعاء الالتهابي... حين تكشف الجينات أسرار الالتهاب
لم يعد داء الأمعاء الالتهابي يُنظر إليه على أنه مجرد اضطراب يصيب الجهاز الهضمي بل أصبح واضحًا أنه مرض معقد تشترك في حدوثه الوراثة والجهاز المناعي والبيئة والميكروبات التي تعيش بصورة طبيعية في الأمعاء وقد فتحت الأبحاث الجينية الحديثة نافذة جديدة لفهم السبب الذي يجعل الجهاز المناعي لدى بعض الأشخاص يتحول من حارس يحمي الأمعاء إلى قوة التهابية قد تؤذي أنسجتها ويشمل داء الأمعاء الالتهابي بصورة رئيسية مرض كرون والتهاب القولون التقرحي وهما مرضان مزمنان يمران عادة بفترات من النشاط والهدوء وقد يسببان آلام البطن والإسهال المزمن وظهور الدم في البراز وفقدان الوزن والإرهاق وفقر الدم وقد ترافقهما أحيانًا أعراض خارج الجهاز الهضمي تشمل المفاصل والجلد والعينين والكبد ولذلك فإن الحديث عنهما باعتبارهما مجرد مرضين في الأمعاء لا يعطي الصورة الكاملة لطبيعتهما
ومن أهم التطورات العلمية في السنوات الأخيرة اكتشاف باحثين في معهد فرانسيس كريك بالتعاون مع باحثين من جامعات بريطانية منطقة وراثية تنظيمية تؤثر في نشاط جين يسمى إي تي إس ٢ وقد أثار هذا الاكتشاف اهتمامًا كبيرًا لأنه قدم تفسيرًا محتملاً للطريقة التي يمكن أن تتحول بها بعض الخلايا المناعية إلى خلايا شديدة الالتهاب. فالحمض النووي لا يتكون فقط من جينات تصنع البروتينات بل يحتوي أيضًا على مناطق تنظيمية تتحكم في تشغيل الجينات أو زيادة نشاطها أو خفضه وقد وجد الباحثون إحدى هذه المناطق في جزء من الحمض النووي لا يصنع البروتينات بصورة مباشرة ولكنه يؤثر في نشاط جينات مجاورة واتضح أن لهذه المنطقة تأثيرًا مهمًا داخل الخلايا البلعمية وهي من الخلايا الأساسية في جهاز المناعة ولها دور بارز في الالتهاب
وعندما يزداد نشاط جين إي تي إس ٢ داخل هذه الخلايا فإنه يساعد على تشغيل مجموعة من البرامج الالتهابية التي تجعل الخلية أكثر قدرة على إنتاج المواد المحفزة للالتهاب وهو ما قد يسهم في استمرار التهاب جدار الأمعاء وتلف الأنسجة لدى المرضى. وتمكن الباحثون في المختبر من إظهار أن زيادة نشاط هذا المسار تستطيع تحويل الخلايا البلعمية إلى حالة التهابية تشبه بدرجة مهمة ما يشاهد في الأنسجة المصابة بداء الأمعاء الالتهابي وهذه النتيجة مهمة لأنها لا تشير إلى جين منفرد فحسب بل إلى شبكة كاملة من العمليات المناعية التي يمكن أن تصبح هدفًا لأدوية المستقبل
لكن من الضروري توضيح نقطة مهمة حتى لا يتحول الاكتشاف العلمي إلى خبر مبالغ فيه فالعلماء لم يثبتوا أن جينًا واحدًا هو السبب الوحيد لمرض كرون أو التهاب القولون التقرحي ولم يكتشفوا حتى الآن دواء يقضي نهائيًا على المرض
داء الأمعاء الالتهابي من الأمراض متعددة العوامل فالاستعداد الوراثي قد يجعل الشخص أكثر قابلية للإصابة لكن وجود الاستعداد الجيني لا يعني بالضرورة أن الإنسان سيصاب بالمرض كما أن عدم وجود تاريخ عائلي لا يمنع حدوثه. وتدخل إلى جانب الوراثة عوامل أخرى تتعلق بتنظيم المناعة والبيئة والتدخين والنظام الغذائي وبعض الأدوية وتركيب الكائنات الدقيقة في الأمعاء وعوامل أخرى ما زال العلم يحاول فهم العلاقة الدقيقة بينها
ومن الجوانب المثيرة للاهتمام أن المنطقة الوراثية المرتبطة بهذا المسار المناعي قديمة جدًا في تاريخ الإنسان وقد وجد الباحثون دلائل على وجودها لدى إنسان النياندرتال الأمر الذي يفتح بابًا مثيرًا للتفسير التطوري فمن الممكن أن تكون الاستجابة الالتهابية القوية قد منحت الإنسان القديم ميزة في مقاومة بعض أنواع العدوى في زمن لم تكن فيه المضادات الحيوية واللقاحات والوسائل الطبية الحديثة موجودة لكن الصفة التي كانت نافعة في مواجهة العدوى قد تصبح في ظروف مختلفة جزءًا من مشكلة التهابية مزمنة وهذه الفكرة تذكرنا بأن بعض الأمراض الحديثة قد تكون في جانب منها الثمن الذي ندفعه مقابل آليات دفاعية ساعدت أسلاف الإنسان على البقاء
أما من الناحية العلاجية فقد وجد الباحثون أن التأثير في هذا المسار ممكن بصورة غير مباشرة بواسطة مجموعة من الأدوية التي تؤثر في إشارات خلوية معينة وتستخدم بعض أفرادها أساسًا في علاج السرطان وقد أدى تثبيط هذه الإشارات في التجارب المخبرية إلى انخفاض النشاط الالتهابي في الخلايا البلعمية وفي عينات من أنسجة الأمعاء إلا أن ذلك لا يعني أن هذه الأدوية أصبحت علاجًا معتمدًا لمرضى كرون أو التهاب القولون التقرحي لأن استخدامها قد يؤثر في خلايا وأعضاء أخرى ويسبب آثارًا جانبية مهمة والتحدي الذي يعمل عليه الباحثون هو الوصول إلى وسيلة أكثر دقة تستطيع تهدئة المسار الالتهابي داخل الخلايا المسؤولة عن المرض من دون إضعاف وظائف ضرورية في بقية الجسم. وهذا الاتجاه يمثل جوهر الطب الحديث الذي يسعى إلى الانتقال من العلاج الواسع الذي يثبط المناعة بصورة عامة إلى علاج أكثر دقة يستهدف الخلية والمسار المسؤولين عن المرض
وفي الوقت نفسه شهد علاج داء الأمعاء الالتهابي تطورًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة فلم يعد العلاج مقتصرًا على الأدوية التقليدية بل أصبح الأطباء يمتلكون مجموعة متزايدة من العلاجات الموجهة التي تتدخل في مراحل محددة من الاستجابة المناعية وأصبح اختيار العلاج يعتمد على شدة المرض ومكانه والمضاعفات والعمر والأمراض المصاحبة والاستجابة للعلاجات السابقة والهدف الحديث للعلاج لم يعد مجرد تخفيف الإسهال والألم بل الوصول إلى هدوء مستمر للمرض وشفاء بطانة الأمعاء قدر الإمكان وتقليل الحاجة إلى دخول المستشفى أو الجراحة والمحافظة على التغذية والنمو ونوعية الحياة
ومن التطورات المهمة أيضًا أن متابعة المريض لم تعد تعتمد على شعوره بالأعراض وحده، فقد يشعر الإنسان بتحسن بينما يبقى الالتهاب نشطًا بصمت ولذلك يستخدم الأطباء إلى جانب الأعراض تحاليل الدم والبراز والمناظير ووسائل التصوير بحسب الحالة ومن الاختبارات المفيدة قياس مادة التهابية في البراز تساعد على تقدير وجود الالتهاب ومتابعة نشاطه وقد يؤدي ارتفاعها المستمر إلى الحاجة لمزيد من التقييم حتى عندما تبدو الأعراض محدودة
أما العامل الوراثي فيستحق فهمه من دون خوف فوجود شخص مصاب في العائلة يزيد احتمال الإصابة لدى بعض الأقارب لكنه لا يعني أن المرض سينتقل حتمًا من الآباء إلى الأبناء والوراثة هنا أشبه بتهيئة الأرض أكثر منها حكمًا نهائيًا إذ تتفاعل الجينات مع المناعة والبيئة وعوامل أخرى لتحديد ما إذا كان المرض سيظهر ومتى وكيف ستكون شدته
ويستطيع المريض أن يؤدي دورًا مهمًا إلى جانب العلاج الطبي. ينبغي عدم إيقاف الدواء عند اختفاء الأعراض من دون استشارة الطبيب لأن اختفاء الألم أو الإسهال لا يعني دائمًا اختفاء الالتهاب كما يجب تجنب التدخين ولا سيما لدى مرضى كرون لأنه يرتبط بمسار أسوأ للمرض لدى كثير من المرضى ومن المهم تجنب الاستخدام المتكرر لمسكنات معينة من دون استشارة طبية لأنها قد تزيد مشكلات الجهاز الهضمي لدى بعض المرضى وينبغي الاهتمام بالتغذية المتوازنة وتجنب الحميات القاسية غير المثبتة علميًا فلا يوجد نظام غذائي واحد يناسب جميع المصابين وما يسبب الأعراض لمريض قد يكون مقبولًا تمامًا لدى آخر. وخلال نوبات النشاط قد يحتاج بعض المرضى إلى تعديل كمية الألياف أو أنواع الطعام مؤقتًا بحسب موضع الالتهاب ووجود تضيق من عدمه ولهذا تكون النصيحة الفردية من الطبيب أو اختصاصي التغذية أكثر أمانًا من اتباع وصفات عامة منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي
كما ينبغي مراقبة الحديد وفيتامين باء اثني عشر وفيتامين دال وحمض الفوليك وغيرها عند الحاجة لأن الالتهاب المزمن أو ضعف الامتصاص أو بعض الأدوية قد يؤدي إلى نقصها والمحافظة على النشاط البدني المناسب والنوم الكافي والصحة النفسية جزء مهم من الرعاية فالتوتر النفسي لا يعد السبب المباشر للمرض ولكنه قد يزيد الإحساس بالأعراض ويؤثر في جودة الحياة ويحتاج المرضى الذين يتلقون أدوية تؤثر في المناعة إلى متابعة منتظمة ومناقشة اللقاحات والفحوص الوقائية مع الطبيب قبل بدء بعض العلاجات وأثناءها
ومن العلامات التي لا ينبغي تجاهلها استمرار الدم في البراز أو الإسهال لفترة طويلة أو فقدان الوزن غير المفسر أو الحمى المتكررة أو الألم الشديد أو القيء المستمر أو انتفاخ البطن بصورة غير معتادة أو الإرهاق الشديد وفقر الدم فهذه الأعراض تستحق التقييم الطبي ولا ينبغي اعتبارها مجرد قولون عصبي أو اضطراب عابر أما المريض المعروف بإصابته بداء الأمعاء الالتهابي فعليه طلب الرعاية الطبية بسرعة عند حدوث ألم شديد متزايد أو نزف غزير أو ارتفاع واضح في الحرارة أو قيء متكرر أو علامات الجفاف أو توقف خروج البراز والغازات مع انتفاخ شديد
وتبقى الرسالة الأكثر أهمية أن اكتشاف المسار المرتبط بجين إي تي إس ٢ لا يعني أننا وصلنا إلى نهاية الطريق ولكنه يمثل خطوة مهمة في فهم أحد المفاتيح البيولوجية التي يمكن أن تحرك الالتهاب. فالعلم ينتقل تدريجيًا من السؤال القديم لماذا يحدث المرض إلى سؤال أكثر دقة وهو أي خلية وأي إشارة وأي جين يدفع الالتهاب لدى هذا المريض تحديدًا وقد يكون مستقبل علاج داء الأمعاء الالتهابي قائمًا على هذه الدقة بحيث لا يحصل كل المرضى على العلاج نفسه، وإنما يختار العلاج وفق البصمة الوراثية والمناعية والميكروبية لكل شخص
لقد انتقل الطب خلال عقود قليلة من محاولة إسكات الالتهاب بعد حدوثه إلى محاولة فهم اللغة التي تتخاطب بها الجينات والخلايا المناعية قبل أن يتحول الالتهاب إلى مرض مزمن وربما يكون الاكتشاف المتعلق بجين إي تي إس ٢ واحدًا من المفاتيح المهمة في هذه الرحلة لكنه ليس العلاج النهائي بعد ولا السبب الوحيد للمرض وإنما باب علمي جديد قد يقود في المستقبل إلى علاجات أكثر دقة وأمانًا وقدرة على منع تلف الأمعاء قبل حدوثه وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذا الاكتشاف فكلما فهمنا جذور الالتهاب بصورة أفضل اقتربنا من اليوم الذي يصبح فيه مرض كرون والتهاب القولون التقرحي مرضين يمكن السيطرة عليهما بصورة أدق وربما الوقاية من بعض مضاعفاتهما قبل أن تبدأ
بواسطة د. ظ. م. خليفة
