حمية البحر المتوسط والنوم... هل يمكن للطعام أن يمنحنا ليلة أكثر هدوءًا؟       

قد نبحث عن النوم في وسادة أكثر راحة  أو غرفة أكثر هدوءًا أو دواء يساعدنا على الاسترخاء، بينما قد يبدأ جزء من الحكاية قبل ذلك بساعات

... من طبق الطعام

فالعلاقة بين الغذاء والنوم أصبحت موضع اهتمام متزايد وتشير دراسات حديثة إلى وجود ارتباط بين الالتزام بنمط غذائي صحي وفي مقدمته حمية البحر الأبيض المتوسط وبين تحسن جودة النوم لدى بعض الأشخاص

  لكن هذه العلاقة ليست سحرية ولا يعني ذلك أن طبقًا من السمك أو حفنة من اللوز ستقضي على الأرق  فالنوم عملية معقدة تتداخل فيها التغذية والنشاط البدني والتوتر والضوء والعمر والأدوية والحالة الصحية

ما هي حمية البحر المتوسط؟

حمية البحر المتوسط ليست قائمة جامدة من الممنوعات بل أسلوب حياة غذائي يقوم أساسًا على تناول الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات كالعدس والحمص والفاصولياء والمكسرات والبذور مع اعتماد زيت الزيتون مصدرًا رئيسيًا للدهون وتناول الأسماك والمأكولات البحرية بانتظام وكميات معتدلة من الدواجن ومنتجات الألبان وتقليل اللحوم الحمراء والمصنعة والحلويات والمشروبات المحلاة والأطعمة شديدة التصنيع

وهنا يجب تصحيح فكرة شائعة: حمية البحر المتوسط ليست غنية بالحلويات أو السكريات البسيطة بل على العكس تقوم على الحد منها واستبدالها قدر الإمكان بالفواكه والأطعمة الطبيعية

لماذا قد تساعد هذه الحمية على نوم أفضل؟

ليس هناك عنصر واحد يمكن أن ننسب إليه الفضل كله فميزة حمية البحر المتوسط تكمن في تكامل مكوناتها

فهي توفر المغنيسيوم والبوتاسيوم والكالسيوم والحديد والزنك والفيتامينات ومضادات الأكسدة إضافة إلى الألياف والدهون غير المشبعة ولا سيما الموجودة في زيت الزيتون والمكسرات والأسماك

كما تحتوي بعض الأغذية الداخلة فيها على عناصر تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في وظائف الجهاز العصبي وفي المسارات المرتبطة بتنظيم النوم واليقظة ومنها التريبتوفان وهو حمض أميني يستخدمه الجسم في تصنيع السيروتونين والميلاتونين لكن من الخطأ اختزال النوم في معدن واحد أو مادة غذائية واحدة

 النمط الغذائي المتوازن بأكمله أهم من البحث عن "طعام سحري للنوم

الأمعاء والنوم... علاقة تستحق الانتباه

من المجالات العلمية المثيرة للاهتمام أيضًا العلاقة بين الأمعاء والدماغ والنوم فالأطعمة الغنية بالألياف والنباتات المتنوعة تساعد على دعم ميكروبيوم الأمعاء وهناك أبحاث متزايدة تدرس ارتباط صحة الأمعاء بالالتهاب والتمثيل الغذائي وإيقاع النوم

ومع ذلك ما زالت هذه العلاقة قيد الدراسة ولا ينبغي تقديمها كعلاج مثبت للأرق

العشاء قد يصنع الفارق 

ليست المشكلة دائمًا فيما نأكل، بل متى وكم نأكل

فالوجبة الضخمة والدسمة قبل النوم مباشرة قد تسبب الانتفاخ وعسر الهضم والارتجاع والحموضة وتجعل الاستغراق في النوم أكثر صعوبة

لذلك يفضل أن تكون وجبة المساء معتدلة وأن تترك فترة مناسبة بينها وبين النوم خصوصًا لمن يعانون حرقة المعدة

ومن الخيارات الجيدة: السمك أو الدجاج مع الخضروات أو العدس مع سلطة وزيت الزيتون أو الزبادي الطبيعي مع كمية صغيرة من المكسرات بحسب احتياجات الشخص الصحية والغذائية

ولا توجد قاعدة تلزم الجميع بتناول وجبة خفيفة قبل النوم إن لم تكن جائعًا فلا حاجة إلى الأكل لمجرد أن موعد النوم اقترب

الكافيين... قد يبقى معنا أكثر مما نتوقع

فنجان القهوة في وقت متأخر قد يكون أحد الأسباب الخفية لسوء النوم وتأثير الكافيين يختلف من شخص إلى آخر وقد يستمر لساعات طويلة

لذلك من يعاني صعوبة النوم يجدر به تجربة إيقاف القهوة والشاي القوي ومشروبات الطاقة وغيرها من مصادر الكافيين قبل النوم بنحو ست ساعات على الأقل وربما أبكر إذا كان شديد الحساسية للكافيين

  عادات تجمع الغذاء الجيد بالنوم الجيد

اجعل النباتات أساس طبقك

  أكثر من الخضروات والبقوليات والفواكه والحبوب الكاملة بدل الأغذية فائقة التصنيع

اختر الدهون الصحية

  -استخدم زيت الزيتون والمكسرات باعتدال وقلل الدهون المشبعة والمقليات

أكثر من السمك باعتدال : واجعل اللحوم الحمراء والمصنعة أقل حضورًا على المائدة

لا تجعل العشاء أكبر وجبات يومك

  -الوجبة المعتدلة والمبكرة نسبيًا أريح للجهاز الهضمي لدى كثير من الناس 

راقب الكافيين

  فإذا كنت تنام بشكل سيئ لا تنظر إلى فنجان المساء على أنه بريء بالضرورة

تحرك يوميًا

  -المشي نصف ساعة معظم أيام الأسبوع عادة ممتازة للصحة العامة ويمكن أن يساهم النشاط البدني المنتظم في تحسين النوم مع تجنب التمارين الشديدة قريبًا جدًا من موعد النوم إذا كانت تسبب لك اليقظة

احترم الساعة البيولوجية

  حاول النوم والاستيقاظ في أوقات متقاربة وخفف الإضاءة والشاشات قبل النوم واجعل غرفة النوم هادئة ومظلمة ومريحة

وماذا عن الماء؟

شرب الماء مهم لكن الإكثار منه قبل النوم مباشرة قد يؤدي إلى الاستيقاظ المتكرر للذهاب إلى الحمام  الأفضل توزيع السوائل على ساعات النهار مع شرب كمية تناسب احتياجات الشخص والطقس والنشاط والحالة الصحية

لا تتسرع في شراء المغنيسيوم والميلاتونين

انتشار الحديث عن المغنيسيوم والميلاتونين على وسائل التواصل الاجتماعي جعل البعض يتعامل معهما وكأنهما الحل الأول لكل مشكلة نوم

لكن المكملات ليست بديلًا عن الغذاء المتوازن أو تشخيص سبب الأرق وقد تتداخل بعض المكملات مع الأدوية أو لا تناسب بعض الحالات الصحية لذلك لا ينبغي تناول جرعات مرتفعة أو استخدام المكملات بصورة مستمرة دون حاجة واضحة أو استشارة مختص

عندما لا يكون الطعام هو المشكلة

إذا استمرت صعوبة النوم لأسابيع أو كان الشخص يستيقظ مرهقًا باستمرار أو يعاني شخيرًا شديدًا أو اختناقًا أثناء النوم أو نعاسًا مفرطًا في النهار فلا ينبغي الاكتفاء بتغيير النظام الغذائي. فقد يكون وراء المشكلة انقطاع النفس أثناء النوم أو اضطراب في النوم أو دواء معين أو مشكلة صحية أخرى تحتاج إلى تقييم طبي

الخلاصة

حمية البحر المتوسط ليست وصفة   غذائية فقط لكنها تقدم شيئًا أكثر أهمية

: بيئة غذائية تساعد الجسم على العمل بصورة أكثر توازنًا

وحين تجتمع الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات والأسماك وزيت الزيتون والمكسرات مع الحركة اليومية وتقليل الأطعمة المصنعة والكافيين المتأخر وانتظام مواعيد النوم فإننا لا نمنح أجسامنا فرصة لنوم أفضل فحسب بل نبني نمط حياة أكثر صحة على المدى الطويل

فالطريق إلى نوم هادئ قد لا يبدأ عند إطفاء مصباح غرفة النوم...

بل ربما يبدأ منذ اختيار ما نضعه في طبقنا خلال النهار

قسم التغذية – مركز جنى  الطبي