القرنبيط... زهرة بيضاء تخفي كنزًا من الفوائد الصحية                        

لا يلفت القرنبيط الأنظار بألوان زاهية كغيره من الخضروات لكنه يخفي بين زهيراته البيضاء ثروة غذائية تستحق أن تمنحه مكانًا دائمًا على المائدة فالقرنبيط أو الزهرة كما يسمى في بعض البلدان العربية ينتمي إلى العائلة الصليبية التي تقد ضم البروكلي والملفوف والكرنب واللفت ويتميز بانخفاض سعراته الحرارية واحتوائه على الماء والألياف والفيتامينات والمعادن ومجموعة مثيرة للاهتمام من المركبات النباتية النشطة ولذلك لم يعد ينظر إليه على أنه مجرد طبق مقلي شهي بل أصبح واحدًا من الخضروات التي تحظى باهتمام الباحثين في مجال التغذية والوقاية من الأمراض المزمنة

ويحتوي كوب من القرنبيط النيئ المقطع على عدد قليل نسبيًا من السعرات الحرارية مع كمية جيدة من الألياف كما يوفر فيتامين

 C وفيتامين K وحمض الفوليك وفيتامين B6

والبوتاسيوم والمنغنيز والكولين ومجموعة من المركبات النباتية المفيدة وهذا يجعله طعامًا عالي القيمة الغذائية مقارنة بعدد السعرات التي يقدمها ومن أهم ميزاته أنه منخفض الدهون والسكريات بطبيعته ويمكن إدخاله بسهولة في أنظمة غذائية مختلفة

ومن أسرار القرنبيط المهمة انتماؤه إلى الخضروات الصليبية التي تحتوي على مركبات تسمى الغلوكوسينولات وعندما يقطع القرنبيط أو يمضغ تتفاعل هذه المركبات مع إنزيمات موجودة في النبات فتتكون مركبات أخرى من بينها الإيزوثيوسيانات ومواد حيوية دُرست على نطاق واسع لمعرفة علاقتها بآليات حماية الخلايا ومن أشهر المركبات المرتبطة بالخضروات الصليبية السلفورافان الذي ما زالت الدراسات تبحث في تأثيراته المضادة للأكسدة والالتهاب وقدرته المحتملة على التأثير في بعض المسارات الخلوية المرتبطة بنشوء الأمراض

ومن هنا جاءت شهرة القرنبيط والبروكلي في الدراسات المتعلقة بالسرطان لكن من الضروري التمييز بين ما تشير إليه الدراسات المخبرية وما يمكن إثباته لدى الإنسان فهناك دراسات سكانية ومخبرية تبحث في العلاقة بين تناول الخضروات الصليبية وانخفاض خطر بعض أنواع السرطان إلا أن القرنبيط لا يعالج السرطان ولا توجد مادة واحدة فيه تستطيع وحدها منع الخلايا السرطانية من النمو بصورة مضمونة والأدق القول إن الإكثار من الخضروات المتنوعة ومنها القرنبيط يدخل ضمن نمط غذائي صحي قد يساعد على خفض خطر عدد من الأمراض المزمنة ولا ينبغي استخدامه بديلًا عن الفحوص الوقائية أو العلاج الطبي

ويتميز القرنبيط كذلك بارتفاع محتواه من فيتامين

 C

وهو فيتامين ضروري لعمل الجهاز المناعي وتكوين الكولاجين والتئام الأنسجة ويساعد الجسم أيضًا على امتصاص الحديد الموجود في الأغذية النباتية ويعمل كمضاد للأكسدة يساهم في حماية الخلايا من الضرر التأكسدي لكن تقوية المناعة لا تعني أن تناول القرنبيط يمنع العدوى أو يعالجها بمفرده فجهاز المناعة منظومة شديدة التعقيد تحتاج إلى غذاء متوازن ونوم جيد ونشاط بدني وعوامل صحية عديدة

أما القلب فقد يكون من المستفيدين من إدخال القرنبيط ضمن الغذاء اليومي فالألياف والبوتاسيوم ومضادات الأكسدة الموجودة فيه تتوافق مع النمط الغذائي الذي توصي به الهيئات الصحية للمحافظة على صحة القلب والأوعية الدموية ويساعد البوتاسيوم في الوظائف الطبيعية للأعصاب والعضلات وفي تنظيم توازن السوائل وضغط الدم بينما تساعد الألياف ضمن النظام الغذائي المتوازن على تحسين مستويات الدهون في الدم كما أن استبدال الأطعمة الغنية بالدهون المشبعة والسعرات المرتفعة بطبق من القرنبيط المشوي أو المطهو على البخار قد يكون خطوة بسيطة لكنها مفيدة للقلب والوزن في آن واحد

ويعتبر القرنبيط صديقًا جيدًا لمن يحاول التحكم بوزنه فهو غني بالماء ومنخفض السعرات ويحتوي على الألياف التي تزيد الإحساس بالشبع ولذلك يمكن أن يسمح للشخص بتناول حجم جيد من الطعام مقابل كمية محدودة من السعرات لكن القرنبيط لا يحرق الدهون بصورة مباشرة ولا توجد خضروات قادرة بمفردها على إذابة دهون البطن أو إنقاص الوزن وإنما تأتي فائدته عندما يحل محل أطعمة أكثر كثافة بالسعرات ضمن نظام غذائي متوازن ومستمر

كما يمكن أن يكون القرنبيط خيارًا جيدًا للمصابين بالسكري لأن كمية الكربوهيدرات فيه منخفضة نسبيًا ويحتوي على الألياف ولذلك يمكن إدخاله ضمن الوجبات المتوازنة بدل كميات كبيرة من الأرز الأبيض أو البطاطا أو المعكرونة ومن هنا انتشرت فكرة أرز القرنبيط الذي يصنع بفرم القرنبيط إلى حبيبات صغيرة ثم طهيه لفترة قصيرة وهو بديل مفيد لمن يريد تقليل كمية الكربوهيدرات والسعرات في الوجبة مع ضرورة التذكير بأن السيطرة على السكري تعتمد على مجمل النظام الغذائي والكمية والنشاط البدني والأدوية عند وصفها وليس على نوع واحد من الطعام

وللجهاز الهضمي نصيب مهم من فوائد القرنبيط فالألياف تساعد على زيادة حجم البراز وانتظام حركة الأمعاء كما تمثل بعض مكونات الغذاء النباتي مصدرًا تستفيد منه بكتيريا الأمعاء النافعة ولهذا فإن تناول مجموعة متنوعة من الخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة يساعد في دعم بيئة ميكروبية أكثر تنوعًا داخل الأمعاء وقد أصبح ما يعرف باسم الميكروبيوم المعوي مجالًا مهمًا للبحث بسبب علاقته المحتملة بالاستقلاب والمناعة وصحة الجهاز الهضمي

لكن الغازات التي يشعر بها بعض الناس بعد تناول القرنبيط ليست دليلًا على أن القرنبيط يقوم «بطرد السموم» كما يقال أحيانًا وإنما تنتج في الغالب عن تخمر بعض الكربوهيدرات والألياف بواسطة بكتيريا الأمعاء ولهذا قد يشعر بعض الأشخاص بالانتفاخ أو الغازات وخاصة عند تناول كمية كبيرة منه ويمكن تقليل ذلك بالبدء بكميات صغيرة وطهي القرنبيط جيدًا ومضغه ببطء ومراقبة قدرة الجسم على تحمله

ويحتوي القرنبيط أيضًا على الكولين وهو عنصر غذائي قد لا يحظى بالشهرة التي تحظى بها الفيتامينات لكنه مهم لأغشية الخلايا ووظائف الجهاز العصبي واستقلاب الدهون كما يحتاج إليه الجسم في إنتاج الأسيتيل كولين وهو ناقل عصبي يؤدي أدوارًا في وظائف الأعصاب والعضلات والذاكرة ومع أن القرنبيط ليس أغنى مصدر للكولين فإنه يساهم مع بقية الأغذية في توفير جزء من الاحتياجات اليومية

أما بالنسبة إلى الحامل فالقرنبيط يوفر الفولات وهو الشكل الطبيعي لفيتامين B9 الضروري لانقسام الخلايا وتكوين المادة الوراثية ويكتسب أهمية خاصة قبل الحمل وخلال مراحله الأولى للمساعدة في التطور الطبيعي للجنين ومع ذلك لا ينبغي اعتبار تناول القرنبيط بديلًا عن مكمل حمض الفوليك الذي قد يوصي به الطبيب قبل الحمل وأثناءه

ويقدم القرنبيط كذلك فيتامين

 K

الذي يؤدي دورًا مهمًا في عملية تخثر الدم ويساهم في صحة العظام وهذه ميزة غذائية مهمة لكنها تستدعي الانتباه لدى الأشخاص الذين يستخدمون بعض الأدوية المضادة للتخثر مثل الوارفارين فالمشكلة ليست في ضرورة الامتناع عن الخضروات المحتوية على فيتامين K وإنما في المحافظة عادة على كمية مستقرة منها ومناقشة التغييرات الكبيرة في النظام الغذائي مع الطبيب أو الصيدلي حتى لا تتأثر فعالية الدواء

ومن الأفكار الشائعة أيضًا أن القرنبيط غني جدًا بالكالسيوم ولذلك يبني العظام والأسنان والحقيقة أنه يحتوي على بعض الكالسيوم لكنه لا يعد من المصادر الرئيسية لهذا المعدن مقارنة بالحليب ومشتقاته أو بعض الأغذية المدعمة وغيرها ولذلك تأتي فائدته للعظام من كونه جزءًا من نظام غذائي متنوع لا من كونه بديلًا عن المصادر الأساسية للكالسيوم

وقد يسأل البعض أيهما أفضل القرنبيط النيئ أم المطبوخ والحقيقة أن لكل طريقة ميزاتها فالنيئ يحافظ على قدر جيد من فيتامين C وبعض المركبات الحساسة للحرارة بينما يجعل الطهي القرنبيط أسهل هضمًا لدى كثير من الناس ويمكن للطهي على البخار أو التحميص في الفرن أو الطهي السريع أن يحافظ على قدر جيد من قيمته الغذائية أما الغلي الطويل في كمية كبيرة من الماء فقد يؤدي إلى فقد جزء من الفيتامينات القابلة للذوبان في الماء

والمفارقة أن طريقة إعداد القرنبيط قد تحول هذا الغذاء الخفيف إلى وجبة شديدة السعرات فالقرنبيط المقلي يمتص الزيت وقد ترتفع سعراته بدرجة كبيرة خاصة إذا غُطي بالطحين أو الصلصات الدسمة ولذلك فإن شويه في الفرن مع قليل من زيت الزيتون والثوم والبهارات أو طهيه على البخار ثم إضافة الليمون وزيت الزيتون إليه يجعل فائدته الغذائية أكبر بكثير من قليه العميق

ومن الطرق الحديثة اللذيذة لاستخدامه تحويله إلى أرز القرنبيط أو هرسه بدل جزء من البطاطا أو إضافته إلى الحساء أو السلطة أو تحميصه كاملًا في الفرن مع الأعشاب والتوابل ويمكن مزجه بالطحينة والليمون أو إضافته إلى أطباق الحبوب والبقوليات للحصول على وجبة غنية بالنكهات والعناصر الغذائية دون حاجة إلى كميات كبيرة من الدهون

أما بالنسبة إلى الغدة الدرقية فقد انتشرت مخاوف من الخضروات الصليبية بسبب احتوائها على مركبات يمكن أن تؤثر في استخدام اليود لكن تناول القرنبيط بالكميات الغذائية المعتادة لا يمثل عادة مشكلة لمعظم الأشخاص وخاصة مع الحصول على كمية كافية من اليود ويؤدي الطهي أيضًا إلى تقليل تأثير بعض هذه المركبات ولذلك لا توجد حاجة لدى معظم الناس إلى حذف القرنبيط من غذائهم بسبب الخوف من الغدة الدرقية أما من لديه مرض درقي أو نقص في اليود وله حمية خاصة فمن الأفضل أن يناقش نظامه الغذائي مع الطبيب

ويحتاج بعض المصابين بمتلازمة القولون العصبي إلى الانتباه أيضًا لأن القرنبيط يحتوي على أنواع من الكربوهيدرات القابلة للتخمر وقد تؤدي الكميات الكبيرة منه لدى الأشخاص الحساسين إلى الانتفاخ والمغص والغازات ولهذا فإن الغذاء الصحي ليس بالضرورة مناسبًا بالكمية نفسها لكل إنسان فالجسم يختلف من شخص إلى آخر

وفي النهاية فإن قيمة القرنبيط الحقيقية لا تكمن في اعتباره دواءً سحريًا للسرطان أو القلب أو السكري وإنما في كونه غذاءً بسيطًا غنيًا بالعناصر المفيدة ومنخفض السعرات ويمكن أن يساهم مع بقية الخضروات في بناء نمط غذائي صحي ومتوازن وربما كانت أفضل نصيحة هي ألا نبحث عن طعام واحد يحمينا من كل الأمراض بل أن نجعل أطباقنا أكثر تنوعًا وألوانًا وأن نكثر من الخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة والمكسرات وأن نقلل الأطعمة فائقة التصنيع والسكريات والدهون غير الصحية فالقرنبيط قد لا يكون دواءً في صيدلية لكنه بالتأكيد واحد من تلك الأغذية البسيطة التي تذكرنا بأن الوقاية تبدأ في كثير من الأحيان من المطبخ وأن طبقًا متواضعًا من «الزهرة» قد يحمل للجسم فوائد أكبر بكثير مما يوحي به شكله الهادئ

مجلة مرآة الغرب