حزام يضغط المعدة من الخارج… فكرة مستوحاة من التراث أم وعد يحتاج إلى دليل؟
بدأت الحكاية بفكرة بسيطة بدت للوهلة الأولى كأنها جسر يصل بين حكمة الماضي وتقنيات الحاضر، فقد طوّر الجرّاح الألماني من أصول تركية الدكتور فوزي جبهة، واسمه بالألمانية Fevzi Cebe ضماداً طبياً ضاغطاً أطلق عليه اسم «إفيه»، يُرتدى حول أعلى البطن ويضغط المنطقة الواقعة تحت القفص الصدري على أمل تقليل تمدد المعدة والمساعدة على الإحساس بالشبع وتناول كميات أقل من الطعام من دون أدوية أو جراحة، وقد ذكر الطبيب أن الفكرة بدأت تتبلور لديه خلال عمله البحثي في كلية الطب بجامعة هارفارد سنة 1996، وأن ملاحظاته السريرية وقراءاته لبعض المخطوطات الآسيوية والتراثية قادته إلى التفكير في الاستفادة من الضغط الخارجي على البطن، مستلهماً كذلك ما ورد في بعض الروايات التراثية عن ربط الحجر على البطن في أوقات الجوع غير أن الانتقال من الإلهام التراثي إلى العلاج الطبي يحتاج دائماً إلى اختبارات علمية دقيقة، لأن التراث قد يفتح باب الفكرة لكنه لا يستطيع وحده إثبات فاعليتها أو سلامتها
ويقوم مبدأ ضماد «إفيه» وفق وصف مبتكره على تطبيق ضغط موضعي على أعلى البطن بما يحدّ مؤقتاً من تمدد الجزء العلوي من المعدة ويزيد الإحساس بالامتلاء، وقد حصل تصميم الجهاز بالفعل على براءة اختراع أمريكية تصفه بأنه أداة لتطبيق قوة ضاغطة خارجية تحت القوس الضلعي بهدف تقليل حجم المعدة والشعور بالجوع، لكن براءة الاختراع لا تعني أن العلاج أثبت نجاحه سريرياً، فهي تحمي الفكرة التقنية ولا تُعادل موافقة الجهات الصحية أو نتائج الدراسات المحكمة الواسعة. ومن المهم هنا تصحيح العبارة الشائعة «تصغير المعدة من دون جراحة»، فالضماد لا يستأصل جزءاً من المعدة ولا يغيّر بنيتها التشريحية كما يحدث في عملية تكميم المعدة وإنما يمارس ضغطاً خارجياً مؤقتاً يزول أثره عند نزعه كما أن القول إن ثلث المعدة يكون ممتلئاً بالهواء بصورة ثابتة ليس وصفاً فسيولوجياً دقيقاً لأن كمية الهواء ومحتويات المعدة وحجمها تتغير باستمرار تبعاً للطعام والشراب والبلع وسرعة إفراغ المعدة والجوع في الأصل ليس فراغاً في المعدة وحدها ولا مجرد هواء يمكن ضغطه بل هو نتيجة شبكة بالغة التعقيد تشترك فيها المعدة والأمعاء والدماغ والأعصاب والهرمونات، ومنها هرمون الغريلين المرتبط بالجوع وهرمونات الشبع مثل «جي إل بي–1» و«بي واي واي»، إضافة إلى الإنسولين واللبتين وإشارات تمدد جدار المعدة التي تنتقل إلى الدماغ عبر العصب الحائر ولذلك قد يمنح الضغط الخارجي بعض الأشخاص إحساساً مؤقتاً بالامتلاء لكنه لا يعالج وحده الأسباب الأيضية والنفسية والبيئية والوراثية التي تقف خلف السمنة وهي مرض مزمن معقد وليست ضعفاً في الإرادة أو إفراطاً بسيطاً في الطعام وقد أصبحت الحاجة إلى حلول آمنة أكثر إلحاحاً بعدما أظهرت بيانات منظمة الصحة العالمية أن أكثر من مليار إنسان كانوا يعيشون مع السمنة عام 2022 أي ما يقارب واحداً من كل ثمانية أشخاص في العالم وأن نحو 43 في المئة من البالغين كانوا يعانون زيادة الوزن فيما تضاعفت السمنة بين البالغين أكثر من مرتين منذ عام 1990 وتضاعفت أربع مرات بين الأطفال والمراهقين. ومع ذلك لا تتوافر حتى الآن أدلة سريرية مستقلة وكبيرة وطويلة المدى تكفي لاعتبار ضماد الضغط علاجاً معيارياً للسمنة أو بديلاً مثبتاً من الأدوية أو جراحات السمنة وما نُشر عنه في وسائل الإعلام أو المواقع التجارية من تجارب محدودة وخسارة في الوزن لا يكفي للحكم العلمي ما لم تُجرَ دراسات عشوائية محكمة تقارن مستخدميه بمجموعة ضابطة وتقيس مقدار انخفاض الوزن واستمراره والآثار الجانبية ونوعية الحياة فالميزان قد ينخفض نتيجة تقليل الطعام أو تغيير السلوك المصاحب لاستعمال الحزام وليس بالضرورة نتيجة ضغط المعدة ذاته، كما أن الضغط القوي أو المتواصل على أعلى البطن ليس خالياً تماماً من المخاطر إذ تشير دراسات فسيولوجية إلى أن الأحزمة الضيقة قد ترفع الضغط داخل المعدة وتزيد ارتجاع الحمض نحو المريء ولهذا ينبغي الحذر بصورة خاصة لدى المصابين بالارتجاع المعدي المريئي أو الفتق الحجابي أو صعوبة التنفس أو بعد جراحات البطن والتوقف عن استخدام أي حزام يسبب ألماً أو حرقة أو غثياناً أو دواراً أو ضيقاً في النفس. أما الطب الحديث فلا ينظر إلى علاج السمنة بوصفه اختياراً بين الحزام والمشرط، بل يبدأ بتقييم شامل للوزن ومحيط الخصر وضغط الدم والسكر والدهون ووظائف الكبد والغدة الدرقية والأدوية المؤثرة في الوزن والنوم والحالة النفسية ثم يضع خطة شخصية تجمع بين غذاء متوازن قابل للاستمرار ونشاط بدني منتظم ونوم كاف ودعم سلوكي وقد تضاف عند الحاجة أدوية معتمدة لمعالجة السمنة ومنها أدوية حديثة تؤثر في مسارات الشهية والشبع مثل سيماجلوتايد وتيرزيباتيد لكنها ليست حقناً تجميلية سريعة ولا تناسب الجميع بل تحتاج إلى وصف طبي ومتابعة للفاعلية والآثار الجانبية وفي حالات السمنة الشديدة أو المصحوبة بأمراض خطرة قد تكون الجراحة الأيضية وجراحة السمنة أكثر الوسائل فاعلية واستدامة بعد التقييم المتخصص وتشمل الخيارات العلاجية المعترف بها تغييرات نمط الحياة والبرامج السلوكية والأدوية وبعض الأجهزة والإجراءات الجراحية وفق حالة كل مريض. وهكذا يبقى ضماد «إفيه» فكرة مبتكرة تستحق البحث العلمي ولا يصح رفضها لمجرد بساطتها أو ارتباطها بإلهام تراثي، لكن لا يصح أيضاً تقديمها على أنها «تكميم خارجي أو علاج مضمون قبل ظهور أدلة مستقلة قوية تثبت مقدار فائدتها وسلامتها على المدى الطويل فالعلم لا يقيس الأفكار بجمال قصتها بل بقوة البرهان عليها وربما تكون القيمة الحقيقية لهذا الابتكار أنه يذكّرنا بأن الحلول الكبيرة قد تبدأ بملاحظة صغيرة وأن الماضي يستطيع أن يلهم الحاضر لكن الكلمة الأخيرة يجب أن تبقى للتجربة المنضبطة وللطبيب الذي يعرف حالة المريض لأن الطريق الآمن إلى وزن صحي لا يمر عبر وعد سحري أو حزام شديد أو حرمان قاس بل عبر علاج متكامل يحترم تعقيد الجسد وكرامة الإنسان ويحوّل خسارة الوزن من معركة مؤقتة إلى أسلوب حياة قابل للاستمرار- بواسطة عبير محمد
Top of Form
Bottom of Form
