في خطوة تعكس تحوّلًا متدرّجًا نحو وعيٍ عالمي جديد بالغذاء والصحة، أعاد ائتلاف دولي يضم أكثر من مئة خبير في مجالات التغذية والبيئة والصحة العامة تأكيد موقفه: بأن اللحوم وخصوصا الحمراء منها، لا ينبغي أن تشكّل الأساس في النظام الغذائي للإنسان، بل أن تكون جزءًا محدودًا ومعتدلًا ضمن منظومة غذائية يغلب عليها الطابع النباتي. وجاء هذا التأكيد بعد تحليل واسع لأحدث البيانات الغذائية والبيئية نُشر في مجلة النسيت المرموقة، ليجدّد النقاش الذي اندلع منذ أكثر من عقد بين العلماء من جهة، وممثّلي الصناعات الغذائية والزراعية من جهة أخرى. تكشف الدراسة الحديثة عن علاقة واضحة بين ارتفاع معدلات استهلاك اللحوم الحمراء وزيادة خطر الوفاة المبكرة، ولا سيما في الدول الصناعية التي ظلّت تعتمد هذا النمط الغذائي لعقود طويلة. لكن الجديد في هذا الإصدار لا يقتصر على إعادة تأكيد المخاطر الصحية، بل يمتد إلى رؤية أكثر شمولًا تسعى إلى ربط صحة الإنسان بصحة الكوكب. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بأمراض القلب أو السرطان بل بقدرة الأرض نفسها على تحمّل أنماط الاستهلاك التي تُستنزف فيها الموارد البيئية بشكل متسارع. ويستند هذا التقرير إلى ما يُعرف بمبادرة «النظام الغذائي الكوكبي الصحي» التي أطلقت عام 2019 والتي سعت إلى رسم خريطة طريق نحو غذاء أكثر عدالة واستدامة، آنذاك أوصى الخبراء بأن لا يتجاوز متوسط استهلاك الفرد 14 غرام يوميًا من اللحوم الحمراء تقريبًا داعين إلى التحوّل التدريجي نحو الحبوب الكاملة والمكسرات والبقوليات والبذور الزيتية كمصادر رئيسية للبروتين. وقد قوبلت تلك التوصيات حينها بترحيب علمي واسع، لكنها أثارت موجة انتقادات من شركات الإنتاج الزراعي والغذائي التي وصفتها بأنها «غير واقعية» و«مناقضة للعادات الغذائية التقليدية». غير أن الفريق البحثي الذي ضم خبراء من جامعات ومؤسسات دولية مرموقة، عاد اليوم ليؤكد أن البيانات المحدّثة لم تُظهر أي تناقض مع نتائج 2019 بل عززتها، فالعلاقة بين كثرة استهلاك اللحوم وزيادة مخاطر الأمراض المزمنة ظلت قائمة، بل أكثر وضوحاً، كما أضاف الباحثون هذه المرة بُعدًا جديدًا لم يكن حاضرًا سابقًا يتمثل في الغذاء المستدام معتبرين أن «العدالة الاجتماعية» لا يمكن فصلها عن ظروف العمل اللائقة، والحقوق الاقتصادية للعاملين في سلاسل الإنتاج الغذائي، مما يجعل التغذية قضية أخلاقية وإنسانية بقدر ما هي بيئية وصحية. أما على مستوى التوصيات الغذائية الدقيقة، فقد شدد التقرير على أن النظام الغذائي الأمثل يجب أن يرتكز على النباتات بنسبة تفوق الثلثين من إجمالي المدخول الغذائي، مع تقليل الأطعمة الحيوانية إلى الحد الأدنى الضروري لتوازن المغذيات. وأوصى الخبراء باستهلاك يومي من 300 غرام من الفواكه، و 200 غرام من الخضراوات، و 250 غرام من الحبوب الكاملة، ومثلها من اللحوم، و 250 غرام من منتجات الألبان، و 250 غرام من الأسماك أو المأكولات البحرية، ومقدار مماثل من اللحوم البيضاء كالدواجن، وتُظهر هذه الأرقام - رغم بساطتها الظاهرية - محاولة علمية دقيقة لضبط التوازن بين متطلبات الجسم وحماية النظم البيئية. ويرى الخبير في علم التغذية «فرانسوا ماريوتي» من كلية «أغرو باري تك» الفرنسية أن ثبات هذه القيم عبر السنوات ليس مفاجئا قائلا إن «العلاقة بين نوعية الغذاء والصحة لم تشهد تغيرا جوهريا فالعلم يواصل تأكيد أن النمط النباتي المتنوع هو الأكثر فاعلية في الوقاية من الأمراض المزمنة وتقليل الانبعاثات البيئية في آنٍ واحد». وفي المقابل يعترف معدّو التقرير بأن الالتزام الصارم بهذه الحدود قد يؤدي لدى بعض الأفراد إلى نقص مؤقت في بعض الفيتامينات والعناصر الدقيقة مثل الحديد وفيتامين ب12 والزنك إذا لم يُعوض ذلك بمصادر بديلة أو مكملات مدروسة، لذلك شددوا على أن الانتقال إلى نظام أكثر نباتية يجب أن يكون تدريجيا ومدروسا مع متابعة غذائية دقيقة تضمن عدم حدوث اختلالات غذائية. من جهة أخرى أثارت التوصيات المحدّثة ردود فعل جديدة في الأوساط الاقتصادية والغذائية إذ اتهمت بعض المنظمات الزراعية اللجنة بالانحياز ضد منتجات اللحوم، بينما اعتبرت منظمات بيئية وإنسانية مثل «تشينجينغ ماركتس» أن الهجوم على العلماء يدخل في إطار «حملات تضليل منظمة» تقودها الشركات الكبرى لحماية مصالحها. وفي المقابل أظهرت أبحاث أخرى نُشرت في مجلة النسيت غلوبال هيلث أن الرأي العام العلمي والمجتمعي بات أكثر قبولًا لهذه التوصيات ومدركا أن صحة الإنسان لا يمكن فصلها عن استدامة الأرض. ويبدو أن المعركة حول اللحوم لم تعد مجرد خلافٍ حول ما نضعه على أطباقنا، بل تحوّلت إلى رمز لصراعٍ أوسع بين أنماط حياة متعارضة. منطقٌ يستهلك أكثر مما يحتاج ويستنزف الكوكب، ومنطقٌ آخر يسعى إلى توازنٍ بين الشهوة والعقل، بين اللذة والمسؤولية، ومن هذا المنظور، فإن ما تقترحه اللجنة ليس حرمانا بقدر ما هو مصالحة الإنسان مع طبيعته، ومع الأرض التي تحتضنه، فالغذاء لم يعد مسألة هامشية، بل ركنًا أساسيا في منطق حياتنا على هذا الكوكب.