مع التقدم في العمر يبدأ الجسم في إرسال إشارات دقيقة عن تغيراته الداخلية وغالبًا ما تكون فحوص الدم هي الطريقة الأصدق لقراءتها فهي لا تكشف فقط عن الأمراض بل ترسم خريطة دقيقة لحالة الأعضاء والهرمونات والتمثيل الغذائي بعد سن الأربعين. يصبح إجراء فحوص دورية للدم ضرورة طبية لا ترفًا وقائيًا إذ يهدف الطب الحديث إلى «الوقاية الاستباقية» قبل ظهور الأعراض. فحص دهون الدم والكوليسترول الكوليسترول ليس عدوًا بل مادة حيوية لبناء أغشية الخلايا وإنتاج الهرمونات لكن الخطر يكمن في اختلال نوعيه: • الجيد HDL الذي ينظف الأوعية من الدهون الزائدة ويقي القلب • الضار LDL الذي إذا تراكم في الشرايين يؤدي إلى تصلبها وانسدادها توصي الهيئات الطبية بالحفاظ على السيء دون 3 مليمول/ليتر او اقل والجيد على 1.2 مليمول/ليتر أو أكثر بعد الأربعين تقل كفاءة الكبد في طرح النوع السيء للكوليسترول، لذلك ينصح بزيادة الألياف الذائبة (الشوفان، الفاصوليا، التفاح) وتناول الدهون غير المشبعة (كالأسمك الزيتية والمكسرات) مع ممارسة الرياضة الهوائية بانتظام. فحص وظائف الغدة الدرقية TSH، T3، T4 الغدة الدرقية هي «منظم الطاقة» في الجسم وأي خلل في هرمونيها (الثيروكسين T4 وثلاثي يودوثيرونين T3) يؤثر في معدل الأيض والوزن والمزاج، ونبض القلب. قصور الغدة الدرقية شائع بين النساء فوق الستين بنسبة تصل إلى 20% أعراضه قد تُشبه التعب الطبيعي أو الاكتئاب، لذلك يُعد الفحص أساسيا لأن الكشف المبكر يسمح بتصحيح الاضطراب سواء دوائيًا أو عبر تعديل في التغذية والنوم ومستويات اليود والسيلينيوم. فحص هرمون التستوستيرون إن انخفاض التستوستيرون لا يخص الرجال فقط بل يصيب النساء أيضًا مع التقدم في العمر. يبدأ بالانخفاض لدى الرجال تدريجيًا من سن 35 بمعدل 1% سنويًا. ويؤثر في الكتلة العضلية، المزاج والدافع الجنسي، أما لدى النساء، فيرتبط بانخفاض الطاقة وضعف العظام بعد سن الأربعين. قياس مستواه يتيح للطبيب اقتراح دعم طبيعي أو دوائي يحسن صحة القلب والعضلات والمزاج ويؤخر مظاهر الشيخوخة. فحص فيتامين د (فيتامين الشمس) فيتامين د أحد أكثر العناصر الحيوية التي يُهملها الناس رغم دوره في امتصاص الكالسيوم وتقوية المناعة وتنظيم الهرمونات، ومع التقدم في العمر تقل قدرة الجلد على تصنيع الفيتامين بتأثير أشعة الشمس، فينخفض مستواه إلى النصف تقريبًا بحلول سن الثمانين، لذا ينصح بفحصه دوريًا وتناول المكمل بجرعة 3000-5000 وحدة دولية يوميًا لتحسين الامتصاص وتوزيع الكالسيوم بشكل صحيح. نقصه يسبب هشاشة العظام، ضعف العضلات، والتعب المزمن. فحص وظائف الكلى (الكرياتينين، اليوريا) GFR الكلى هي «محطة التنقية» التي تخلّص الجسم من السموم وتنظم ضغط الدم وتوازن الأملاح. ارتفاع الكرياتينين أو انخفاض معدل الترشح الكبيبي يشير الى خلل في الأداء الوظيفي. إن أمراض الكلى تتطور بصمت دون أعراض حتى المراحل المتقدمة، لذا يُعد الفحص الدوري ضروريًا خاصة لمن يعانون من ارتفاع ضغط الدم أو السكري. فحص السكر التراكمي (الهيموغلوبين السكري) HbA1c اضطراب استقلاب السكر من أكثر مشاكل منتصف العمر شيوعًا، وإن هذا الاختبار يكشف متوسط مستوى السكر في الدم خلال الأشهر الثلاثة الماضية ما يسمح برصد السكري الكامن قبل ظهوره. القيمة المثالية أقل من 5.7 بينما تشير القيمة الأعلى الى وجود خطر الإصابة بالسكري، لذلك يعتبر الحفاظ على وزن صحي والحد من السكريات البسيطة وممارسة النشاط البدني المنتظم هي الركائز الأساسية للوقاية. ضغط الدم: مقياس الحياة الهادئة رغم أنه ليس فحص دم، فإن ضغط الدم يعكس صحة الأوعية والدورة الدموية. القياس المثالي هو حوالي 115/75 بينما تجاوز هذا الرقم يعتبر إنذارا بارتفاع الضغط وزيادة خطر حدوث جلطات أو سكتات، لذلك ينبغي متابعة الضغط دوريًا بعد الأربعين مع تقليل الملح والمنبهات والنشاط اليومي المنتظم وضبط التوتر النفسي. فحوص الدم بعد الأربعين ليست مجرد أرقام، بل لغة حيوية تكشف توازن الجسم وصموده أمام الزمن. الشيخوخة ليست قدرًا بل مسارًا يمكن إبطاؤه الطب الحديث يؤكد أن عبر المراقبة الدقيقة والتغذية السليمة والنشاط المنتظم. إن الالتزام بفحص دوري شامل للدم كل ستة أشهر إلى إثني عشر شهرًا يتيح اكتشاف أي خلل في مراحله الأولى حيث الوقاية لا تزال أكثر فاعلية.