أقسم بأغصان الزيتون المتشابكة كأيدينا يوم كنا نرعى الأحلام في حقول الأمل... وبثمار التين التي كنا نقطفها تحت وهج شمس آب، نضحك، ونمسح عصارتها الحلوة عن وجوهنا كما نمسح غبار الطريق الطويل عن أرواحنا ...

أقسم بندى الصباح الذي كان يغسل تعب الليل عن أوراق الدوالي، وبحفيف السنابل التي مالت تحت ثقل الحصاد، وبالعنب المعلق على العرائش، ينتظر يدًا حانية تقطفه كما ينتظر القلب لحظة العودة إلى حيث يمتد الجذر الأول ...

أقسم برائحة التنور وهي تعانق خبز الأمهات، وبصوت الناي ينساب في الأفق مع حكايات الرعاة، وبحجارة البيوت العتيقة التي حفظت أسرارنا ووشوشاتنا وهمسات العشق الأول ...

أقسم بالعيون التي تحدق في الأفق كل مساء، تبحث عن غيمة تحمل معها وعد المطر، وعن طائر مهاجر قد يعود حاملًا أخبار الغائبين ...

أقسم بالينابيع المتدفقة من قلب الصخور، بالماء الرقراق الذي ارتوينا منه صغارًا، يرش وجوهنا في قيظ الصيف ويغسل أرواحنا قبل أجسادنا ...

أقسم بتلك الطرقات الترابية التي حفظت آثار أقدامنا، حيث كنا نركض حفاةً، نطارد الفراشات نزعج الطيور ونحلم بغدٍ لا حدود له إلا زرقة السماء ...

أقسم بأشجار الكينا العالية، التي شهدت جلساتنا ونحن نحتمي بظلها، نتسامر، نبوح بالأسرار، ونرسم مستقبلاً واسعًا بحجم الأفق المفتوح ...

أقسم برائحة الشاي والقهوة المسكوبة على موائد الفجر، حيث كان الآباء يجتمعون يناقشون مواسم الزرع والحصاد، وحيث كانت الأمهات يخبزن الحكايا مع الأرغفة الساخنة ...

أقسم بتلك الليالي التي أضاءتها قناديل الزيت، حين كانت القصص تملأ صدورنا دفئًا، وأحلامنا تكبر على ضوء النجوم المتراقصة في سماء الضيعة...

أقسم بضحكات الجدات المتسربة من شرفات المنازل الحجرية، تدعو للصغار بالحياة الرغيدة، وتوشوش للريح رسائل حب لمن غادروا ...

أقسم بلهيب الشوق الذي يشتعل كلما ابتعدنا، وبدمعة تسقط حين نسمع صوت الدبكة يدوي من بعيد، يعيدنا ولو للحظات إلى تلك الأرض والساحات التي رقصت عليها أقدامنا ذات يوم...

أقسم بحنين لا يبرد، وعشق لا يخفت، بأن هذه الذكريات وهذه الأرض التي احتضنت طفولتنا ستظل في القلب موطنًا، وإن حملتنا الأقدار بعيدًا، وإن فرّقتنا الطرقات، فهنا ولدنا، وهنا سنعود، وهنا سيكون الملتقى الأخير نرتاح في ظلالها كما كنا يوما صغارا نحلم ولا نخشى الغياب حيث يحتضننا التراب الذي أنبتنا أول مرة ... د. كمال توبة